[Ar] Curriculum Philosophicum (Suite) حوار مع الكاتب بشير مفتي

Publié le par ZINE

Entretien en arabe que l'écrivain Bachir Mefti (et rédacteur en chef du supplément littéraire "al-Athar" du quotidien algérien "Djazair News") a bien voulu consacrer avec moi pour le numéro du mardi 19 Décembre 2006.

 ترجمت كتاب فلسفة التأويل لغادامير، الذي يعتبر واحد من فلاسفتك المفضلين؟

كما كتبت في تصديري لـ''فلسفة التأويل'' لغادامير بأنّنا نكتشف باحتشام وتأخر هائل هذا الفيلسوف، حيث تُرجمت أعماله إلى معظم اللغات العالمية· كانت محاولتي بمثابة رغبة في التعريف بهذا الفيلسوف وإغناء المكتبة العربية بموضوع التأويل أو الهيرمينوطيقا وهو موضوع يلقى اليوم اهتماما متناميا لعلاقته بالنصوص الفلسفية والأدبية والدينية والقانونية· لهذا السبب يتحدث غادامير عن عالمية أو كونية التأويل، لأنه سواء في الفلسفة أو الأدب أو الفقه أو التفسير أو القانون أو السياسة أو العلاقات البشرية (الحب، المعاملات التجارية، التواصل، الصراع، الغيرة والأنفة، الصداقة··) فنحن محتاجون إلى ''التأويل'' كإنارة في المعنى الذي نتقاسمه أو نحتكره أو نتخاصم حوله· فهو بمثابة المفتاح في حلّ أقفال النصوص والتجارب الإنسانية· أودّ في هذا المقام تقديم شكري إلى منشورات الاختلاف على الجهد الذي بذلته لنشره في طبعته الأولى في شكل أنيق، وفي طبعته الثانية بالتعاون مع الدار العربية للعلوم والمركز الثقافي العربي·

 وكتاب لعلي حرب من العربية للفرنسية، الذي تتقاطع معه في قضايا كثيرة؟

كتاب علي حرب ''حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية'' الذي ترجمته إلى الفرنسية يعاني من التأخر، ويمكنني إذا وافق على ذلك الفيلسوف اللبناني أن أوكله لمنشورات الاختلاف بالتعاون مع المركز الثقافي العربي لطبعه ونشره· نعم أتقاطع مع علي حرب في قضايا كثيرة عبّرت عنها في مختلف كتاباتي سواء تعلّق الأمر بالحداثة أو الهوية أو المثقف أو ما بعد الحداثة· لكن لكتاباتي نوع من الاستقلالية واهتمام بقضايا أخرى مثل التأويل وفلسفة الفعل والعرفان أو  التصوف، ولم يكن لدي اهتمام بالعولمة إلا نادرا· علي حرب هو ناقد بارع، برهن في عدة مناسبات تحكّمه الرصين في مفاتيح العلوم الإنسانية، وخصوصا نقده للمفكّرين العرب من أمثال محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن ومحمد أركون· فهو ذو مزاج نقدي يتفق مع براعة تحليلية ورؤية نافذة· فهو في هذا الميدان سيّد موقفه، يحسن الملاكمة الفكرية بأخلاقية نادرة لا تسقط في صبيانيات القدح والتشهير· لهذا السبب أساليب علي حرب وتقنياته النقدية تلهم معظم كتاباتي·

وجودك بفرنسا ربما يجعلك تفهم عن قرب الغرب في نظرته لنا· كيف هي نظرته لنا؟

نظرة الغرب لنا هي مزيج من المسؤوليات المدنية والمخاوف السياسية· فالغرب ليس وحدة مطلقة· فإذا كانت السياسات مبنية على النظرة الاستعلائية والاحتقارية تجاه ''العالم الثالث'' (لهذا السبب لا يوجد سياسات في التنمية لإخراج البلدان الإفريقية مثلا من الفقر والأمراض والتخلف)، فإن المجتمع المدني (فنانون، مثقفون، جمعيات، منظمات غير حكومية·· الخ) يسعى إلى التحلي بقيم استقاها من تاريخه الطويل والدامي: العدل، حقوق الإنسان، الأمن، السلام· نجد مثلا نعوم شومسكي ينتقد بلده الولايات المتحدة أفضل ممّا يفعل المثقف في الوطن العربي والإسلامي الذي يكتفي بتنديدات هيستيرية ونضالات غير مجدية· نجد أيضا الرّاحل جاك دريدا كان يدافع عن الأقليات الإثنية والجنسية والدينية، وفلسفته كلها مبنية على نقد التمركز والاستعلاء النرجسي الذي تبديه الأنظمة السياسية في الغرب· لهذا السبب لا يمكّننا الحديث عن الغرب كما لو كان شخصا واحدا همّه سحق الآخرين· ينبغي إذن أن نعوّل على المجتمع المدني الذي، بشكل ديمقراطي، يمكنه تصحيح بعض السياسات الجائرة تجاه الأمم الأخرى؛ وهذا ما ألفيته باحتكاكي بالمثقفين والمفكّرين والفنانين الذين هم وارثو الإغريق والرومان، بمعنى أخلاقيات وجماليات تتعالى على رغبات الهيمنة· طبعا هناك ''المخاوف تجاه الآخر'' تروّجها وسائل الإعلام، وهناك أيضا صعود اليمين المتطرّف المعادي للأجانب (خصوصا القادمون من العالم الثالث)، وهناك أيضا التطرّف الديني الذي يغذي هذا التطرّف العنصري وهذه المخاوف منذ أحداث11 سبتمبر والاعتداءات الإرهابية في عدة عواصم أوروبية، ولكن إرادة التعارف والتبادل هي أقوى من كل هذه الترهيبات التي لا تبرير لها·

كيف تنظر للفلسفة؟ تعرّفها؟ وتشتغل عليها؟ وما ضرورتها في حياتنا اليومية مثلا؟ أم تتصوّرها حكرا على فئة خاصة فقط؟

للفلسفة مكان ومكانة في كل العصور والأمصار؛ فهي معجزة الإغريق ولكن لها انتقالات وارتحالات جغرافية كما قال جيل دولوز· كانت بالأمس وليدة العصر اليوناني والروماني ثم انتقلت في العصر الوسيط إلى العالم الإسلامي وكانت للإرادة السياسية (المأمون وتأسيس بيت الحكمة في بغداد في العصر العباسي) دور في تروجيها، ثم إلى العالم المسيحي اللاتيني (القديس توما الأكويني) ثم إلى العالم الغربي (العصر الكلاسيكي والأنوار والرومانسية) ولا زالت اليوم حيّة وخلاّقة في الديار الغربية لاعتبارات تاريخية ورمزية، رغم التطور العلمي والتكنولوجي لا تزال الفلسفة تقاوم بشجاعة نادرة لأنها سليلة الروح الخلاّقة ووليدة الفكر الأزلي في تجلياته الآنية عبر العصور، ولها مستقبل زاهر لأنها رؤية نقدية وعميقة تربط الإنسان بحدوده المعرفية وتناهيه الوجودي· الفلسفة كما أفهمها وأشتغل عليها تقوم على المحاور التالية: رؤية نقدية، حرية في التفكير، سلوك عملي· لا نشتغل على الفلسفة إذا لم يكن لدينا حس نقدي: لا تعترف الفلسفة بالمطلقات اليقينيات لأنها مُساءلة مستمرة للأسس والبداهات، سلاحها في ذلك النّقد والتمحيص· ولا يمكن التسلّح بالنّقد إذا كانت حريتنا مشروطة ومقيّدة: الحرية هي عَصَب الحياة الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية بدونها يمكننا القول بأنّنا نحيا في ''مقبرة'' ولا نحيا في الحضارة· كما أنه لا فلسفة بدون سلوك عملي وأخلاقي، بمعنى دون أن نترجم الفلسفة التي نشتغل عليها الى مسيرة في الحياة وسيرة ذاتية في التعامل مع الآخر· لا أدّعي بأنّني فيلسوف إذا كان سلوكي مبنيا على الإقصاء والكبرياء والتعالي والفاشية في التعامل مع الآخرين مهما بلغت منتجاتي الفكرية درجة من النفوذ والتكوثر· لهذا السبب نرى أن الفلسفة كما نشأت في العصر اليوناني كانت بالأولى سلوكات وفضائل وحريات في المبادرة ولها ارتباط وثيق بالحياة اليومية· طريقة سقراط في توليد الأفكار هي الشاهد على أن كل فرد هو فيلسوف بالقوة، لأن العقل يتبدّى في أدنى السلوكات، في طريقة العيش، في جمالية الفعل، في شاعرية الرؤية· ربما الفلسفة النظرية (بمعنى التأمّلات المجرّدة) هي حكر على فئة خاصة، ولكن عندما يتعلّق الأمر بالفلسفة العملية فالكل سواسية في التفكير لا فرق في ذلك بين الفيلسوف الدّاهية والإنسان العادي: فهل تُجدي الفلسفة نفعا إذا لم يكن لها ارتباط بالحياة اليومية والمخاوف المعاصرة تجاه التلوث والتصحر ومشكلات التنمية والعدالة وحقوق الإنسان والفوارق الاجتماعية والأمن والعنصرية والإرهاب والفقر والأمراض؟ لا يمكننا إذن عزل التأمّل النظري عن تطبيقاته العملية، والفلسفة الناجحة هي التي تُحسن ترجمة التفكير الى تدبير، والفكر إلى سياسة·

كيف السبيل لدفع حركة الفلسفة بالجزائر؟ وما هي الأسماء التي تعتقد أنها فاعلة اليوم؟

لدفع حركة الفلسفة بالجزائر هناك عوامل موضوعية وذاتية سهلة التحقيق إذا كانت النّية صادقة والإرادة رائقة:

1 ـ إحياء عملية الترجمة، لأنه لا فلسفة ولا أدب ولا فن دون ترجمة الأعمال الشهيرة التي لمعت في هذه الميادين· ونحن نعلم أن ضلوع فلاسفتنا أمثال الكندي وابن سينا والفارابي وابن رشد كان بفضل ترجمة التراث الإغريقي إلى العربية· اليوم أصبح لبنان والمغرب من السبّاقين في هذه العملية قصد تمكين الطلبة والباحثين والأساتذة من الاطلاع على المنتجات الفكرية في اللغات الأخرى·

2 ـ لا ترجمة بدون إرادة سياسية· مثال الخليفة المأمون في العصر العباسي يوحي بضرورة هذه الإرادة السياسية لأن لها الإمكانيات المادية والرمزية لإعطاء الفكر مكانة في المجتمع· المجتمع الذي ينجح هو المجتمع الذي يفكّر، هو المجتمع الذي يعطي للروح حقّها من الغذاء المعنوي والفضول المعرفي·

3 ـ حرية الفكر: الحرية عند الإنسان هي بمثابة التنفّس عند الكائن الحيوي، فلا نبدع ولا ننتج ولا نبتكر إذا كان فكرنا مقيّدا أو موجها بشكل قسري نحو تبني مواقف هو غير مقتنع بها· فالعائق الأكبر في دفع حركة الفكر هو الحرية، حرية أن نفكّر في كل ظاهرة تستدعي الوقوف عندها والتأمل في تركيبتها سواء كانت هذه الظاهرة سياسية أو علمية أو دينية أو قانونية· ''عصر التدوين'' (تأسيس بيت الحكمة في العهد العباسي) كما يسميه محمد عابد الجابري تواقت مع الاقتناع بضرورة الحرية ليس كشعار كما هو شائع اليوم وإنما كسلوك: لننظر ما كتبه في هذا الميدان المستشرق دميتري غوتاس (جامعة نيويورك) في كتابه ''التراث الإغريقي والثقافة العربية''·

4 ـ لا إبداع أيضا بدون الحب والاعتقاد· أقصد بالاعتقاد أن ''نؤمن'' في ما نكتبه ونفكّر فيه، ولا تكون كتابتنا مرتبطة بالمناسبات أو بالاعتبارات الشخصية أو الإعلامية· أقصد بالحب أن ''نهوى'' ما نفكّر فيه، أن يكون لنا ''ذوق'' في ما نكتبه ونتأمّل فيه· ما نكتبه ليس مجرّد تخمينات نظرية، بل هو أيضا سلوكات عملية· كانت الفلسفة في الأصل حكمة عملية، سلوك فردي، ذوق فنّي، غاية أخلاقية، رؤية جمالية، تواضع ذاتي (لنتأمّل في ما كتبه مثلا أفلاطون أو أرسطو أو أبيقور أو فلاسفة الرواق مثل زينون السطيومي وكريسيبوس وسينيكا·

5 ـ كنت في السابق قد قرأت لأسماء لامعة وواعدة مثل عمر مهيبل والزواوي بغورة وبن مزيان بن شرقي وعبد القادر بودومة وبومدين بن بوزيد، وهناك حتما أسماء أجهلها وأتمنى الاستفادة من ابتكاراتها· أقول هي أسماء واعدة لأن لها قناعة بما تفكّر فيه وتراه صالح لدفع حركة الفلسفة في الجزائر، وخصوصا وأن الفترة العصيبة التي مرت بها الجزائر في التسعينيات من القرن العشرين فرضت على مثقفيها ومبدعيها نوعا من الفتور والتأخر مقارنة مع البلدان الأخرى مثل تونس والمغرب·

 على ماذا تشتغل راهنا؟

إنّني في صدد كتابة دراسات أكاديمية حول ابن عربي لمجلات متخصصة في فرنسا· وجدت أن معظم الدراسات تربطه بالأفلاطونية المحدثة أو بالإسماعيلية (إخوان الصفا)، لكن برز لدي فضول فلسفي للبحث عن جذور الرواقية (فلاسفة الرواق الإغريق والرومان) في مذهبه· لقد وجدت بعض التشابهات المذهلة في ما يتعلّق بالكوسمولوجيا ونظرية النَفَس الإلهي· فضلا عن ذلك، لدي اهتمام خاص بكتابات ميشال دوسارتو (هو الآخر متخصص في العرفان) وإنني في قيد إعداد دراسات حوله سواء تعلّق الأمر بمفهوم التاريخ أو العرفان وعلاقته بالتحليل النفسي وبالأنثروبولوجيا·

 

 

Publié dans philozine

Commenter cet article

amel mansour 08/12/2009 16:49


السلام عليكم تحية و بعد سيدي الكريم الدكتور محمد شوقي الزين نحن سعداء جدا بأعمالك الرائعة الذي ننتظرها و نتابعها بشغف، نتمنى لك كامل التوفيق و العطاء، يشرفنا جدا أن تكون جزائريا بمثل هذا الأفق
الفكري الراقي، أنا باحثة في الهرمنيوطيقا و أتابع ما تكتبه. بالتوفيق