[Ar] Curriculum Philosophicum (Interview en arabe) حوار مع الكاتب بشير مفتي

Publié le par ZINE

Entretien en arabe que l'écrivain Bachir Mefti (et rédacteur en chef du supplément littéraire "al-Athar" du quotidien algérien "Djazair News") a bien voulu consacrer avec moi pour le numéro du mardi 19 Décembre 2006.

 

الباحث محمد شوقي الزين لـ''الأثر''

حاوره: بشير مفتي

يعتبر الباحث محمد شوقي الزين من أهم الباحثين الجزائريين الجدد في حقل الفلسفة الغربية والعربية الإسلامية، أنجز مؤخرا أطروحة دكتوراه بجامعة أكس بروفانس الفرنسية حول ''ابن عربي'' وهو يعمل الآن هناك، حيث يواصل مساره الفلسفي كاتبا ومترجما ومحاورا للقضايا التي يطرحها عصرنا عليه·· في هذا الحوار رحلة في تجربة هذا الشغوف بالفلسفة منذ البداية الى الآن·

في البداية هلا حدّثنا عن نشأة علاقتك بالفكر والفلسفة؟ كيف بدأت؟ وكيف سكنك الشغف بها، في بلد كالجزائر، ربما آخر ما يهتم به هو الفلسفة؟

 بداية علاقتي بالفلسفة غريبة إلى حد ما، كنت مدفوعا، رغما عني، إلى اختيار هذه الشعبة في جامعة وهران، وكأن المصير لم يرد سوى أن أمتطي حصان الفلسفة· تحصّلت على البكالوريا في شعبة العلوم والتحقت بجامعة العلوم والتكنولوجيا (محمد بوضياف ـ وهران) لمتابعة علم الإلكترونيات· لكن لم أجد اسمي في قائمة المقبولين، ربما للنقاط السيئة التي تحصلت عليها في البكالوريا في العلوم الدقيقة (الرياضات والفيزياء)· بعد تقديم طعن، وُجِّهت إلى معهد الزراعة في مدينة مستغانم· عندما وصلت إلى المعهد المذكور لم أجد اسمي في قائمة المقبولين، قدمت طعنا ثانيا، وفي الأخير وُجِّهت إلى قسم الفلسفة بجامعة وهران· كانت آخر نقطة مقبولة للالتحاق بقسم الفلسفة هي 9,5 وهو ما حصلت عليه في البكالوريا! كما نقول بالفرنسية !مََّّمَُِّّّي م· كل زملائي تحصّلوا على المعدل في الفلسفة في البكالوريا مع عداي· الفكرة التي راودتني على التو هي ''سأكون آخر طالب في القسم وستكون نقاطي سيئة مقارنة مع عزيمة زملائي''· لكن الشغف بالفلسفة بدأ منذ السنة الأولى· لم أتغيّب يوما واحدا عن الدروس والتطبيقات طيلة الأربع سنوات وكانت النتيجة مرضية جدا: كنت من بين الأوائل في قسم الفلسفة· لم تكن الفلسفة في مخيالي مجرد نصوص وفلاسفة ولكن أيضا فلسفة عملية في طريقة تفكيري وحتى في عاداتي (كنت أرتدي في الغالب بدلة وربطة العنق) وفي علاقاتي بمحيطي العائلي والمعرفي· هذه الفلسفة هي بالنسبة إليّ نوع من ''الزهد'' كما كان يمارسها القدماء من الإغريق والصوفية في الإسلام· عندما زاولت دراسة الفلسفة مع أصدقاء لهم مكانة في عالم الفكر مثل الصديق عبد القادر بودومة، كانت لدينا نوع من ''العقيدة'' (''عُقدة'' بالمعنى باللغوي) في الفكر، ونوع من الرصانة والجدّية: لم تكن علاقتنا بالفلسفة للشهرة أو الجاه أو التكالب على المناصب، وإنما كانت علاقة ودّية وحميمية قوامها الزهد والاحترام والرؤية البعيدة والآفاقية (وليست الضيّقة والأُفقية)· ونتأسف أن تكون الفلسفة (القدماء سواء الإغريق أو فلاسفة الإسلام يسمونها الحكمة لرفعة شأنها، فهي بمثابة ''طب النفوس والأرواح'' مثلما العلوم الطبيعية والدقيقة هي في خدمة الجسد: رغباته، حاجاته، آلامه) قد فقدت من هالتها ودورها في المجتمع (بما في ذلك الجزائر)، مع أن الفلسفة والأدب يمكن أن يؤديا خدمات ثمينة في إعادة الثقة للإنسان المعاصر في ذاته والخروج من الاغتراب تجاه كل أنواع الماديات والإيديولوجيات والدكتاتوريات والأساطير والخرافات· هذا ما نأمله ونتوخّاه·

 لقد كان اهتمامك الأول في دراساتك الجامعية بمحمد إقبال· لماذا؟ وماذا كان يهمك في هذا المفكّر؟

كان اهتمامي الأول بمحمد إقبال كشاعر وفيلسوف، وهو اليوم فخر الأمة الباكستانية مثلما الأمير عبد القادر هو فخرنا· فبفضل محمد إقبال استقلت الباكستان عن الهند سنة ,1947 وكان اللواء محمد علي جِناح هو الذي نفّذ فكرة إقبال· أتذكّر أنه كان لدي في دراساتي الجامعية اهتمام خاص بمتصوِّفي الإسلام والمسيحية، ووجدت أن إقبال كان في الغالب يستند الى آرائهم خصوصا جلال الدين الرومي والحلاّج ومحي الدين بن عربي في كتابه ''تأسيس الفكر الديني في الإسلام'' وهو سلسلة من المحاضرات ألقاها إقبال في عدة جامعات في بريطانيا والباكستان، كانت رسالته الجامعية حول ''الفكر الميتافيزيقي الفارسي'' تحت إشراف المستشرق الإنجليزي نيكولسون· بفضل محمد إقبال برز عندي نوع من الشغف لقراءة النصوص العرفانية لغايات نظرية وفلسفية: مثلا العلاقة بين العرفان القديم (أفلوطين، فيلون الإسكندري) والإسلامي (الجنيد، الترمذي، يحيى السهروردي، ابن عربي، داوود القيصري) والمسيحي (المعلّم إكهرت، القديس يوحنا الصليبي، إينياس دو لويولا)، كانت لمحمد إقبال منهجية جيدة في المقارنة بين المدارس والعصور، وهي منهجية مبنية على قبول كل العناصر المتناقضة (بما فيها الإلحادية كما هون الحال مع المانوية والزرادشتية) دون إقصاء أو اختزال (العدالة في الفكر أمر مهمّ جدًّا)· مكّنتني طريقته من قراءة النصوص ومعالجة الكيفية التي بموجبها تنتقل الفكرة وتتطوّر من عصر الى آخر وراء عدّة أسماء ودلالات: فلا فرق بين واحدية أفلوطين ووحدة الوجود عند صدر الدين القونوي واتحادية سبينوزا سوى في الكيفية التي عولجت بها الفكرة مع مراعاة النسق الفلسفي أو العرفاني، بمعنى أخذ بعين الاعتبار الاختلافات الجوهرية (أفلوطين، القونوي، سبينوزا) لاعتبارات مذهبية وتاريخية وثقافية، كان إقبال مشغوفا بما يمكن تسميته ''الوحدة في الاختلاف'' l'union dans la différence

 ثم أنجزت دكتوراه عن ابن عربي، هل يمكن أن تحدثنا عن هذا الموضوع بالذات؟

 لهذا السبب انصبّ اهتمامي على محي الدين بن عربي· عالجت في رسالة الدكتوراه في 450 صفحة مسألة المعرفة والكشف في مذهبه، وتحصّلت على التقرير التالي ''دكتور من جامعة بروفونس بدرجة مشرف جدا مع تهنئة أعضاء اللجنة بإجماع'' وسمحت اللجنة بنشر الرسالة لتعميم الفائدة· بعد محمد إقبال كان للمؤرخ ميشال دوسارتو (متخصص في التصوف المسيحي) الشخصية الثانية التي ساعدتني بفضل مناهجها وتحليلاتها المتبحّرة على قراءة ابن عربي وفهمه في مرجعيته اللغوية والفكرية· كان إعجاب لجنة المناقشة بقراءة فريدة تحاول ''قراءة ابن عربي بابن عربي نفسه'' دون إسقاطات أو اختزالات (رغم المجازفة التي قمت بها عندما قاربته بجاك دريدا في عدة مقالات نُشرت في لبنان والبحرين)· لنقل بأن العمل الأكاديمي كان يتطلّب هذا النوع من الحيطة والحذر مع مراعاة الأسس المنهجية التي تُبنى عليها كل رسالة جامعية· عالجت في مذهب ابن عربي ما يسمى اليوم ''الإبستمولوجيا'' أو ''نظرية العرفة''، لكن في نطاق يفلت من ''العلمية'' بالمعنى الحصري والموضوعي للكلمة· فمن الصعب أمام نصّ يدّعي المكاشفات والمشاهدات الباطنية أن نوظّف دون حذر مصطلح الإبستمولوجيا· لهذا السبب كنت مجبرا على توظيف قراءات أخرى مستمدة من التأويلية (الهيرمينوطيقا) والظواهرية (الفينومينولوجيا) مع مراعاة الهمّ الأصلي ''قراءة ابن عربي ابابن عربي نفسه''· عندما انتهيت من تدوين الرسالة وتيقّنت بأنني لم أغفل أي شيء بما في ذلك القراءات المعاصرة حول ابن عربي، توصّلت الى نتيجة مفادها أن القراءات حول ابن عربي (في فرنسا خصوصا) تميّزها صراعات بين مدرستين: أتباع هنري كوربان (المتخصص الفرنسي في الإسلام الإيراني والذي حاول ربط ابن عربي بالتشيّع) وأتباع ميشال شودكييفيتش (أشهر متخصص في ابن عربي في فرنسا وكان ضمن لجنة المناقشة)، هذا الأخير الذي يحبّذ التصوّف الطُرُقي كما اتبع معالمه ابن عربي عندما كان مريدا لشيوخ عدّة في الأندلس والمغرب والجزائر (أبو مدين في بجاية) وتونس، عندما تيقنت من حدة هذا الصراع بين اتجاهين يحاولان احتكار قراءة ابن عربي، ابتعدت بالقدر الكافي عن هذا الصراع، مركّزا اهتمامي على قراءة غير إيديولوجية وغير مسبقة لكتابات الشيخ الأكبر· عزلتي المعرفية واستقلاليتي الفكرية هما أفضل من نُصرة هذه المدرسة أو تلك·

 لقد صبّ اهتمامك في كتابك الأول ''تفكيكات وتأويلات'' على الفلسفة الغربية الحديثة؟

 في كتابي الأول كانت لدي الرغبة في جمع دراسات هي نتاج سنوات عدة من القراءة والتحليل· كان العنوان الأصلي هو ''فصول في الفكر الغربي المعاصر'' لكن الناشر (المركز الثقافي العربي) لم يكن مقتنعا بالعنوان ولا بقلة الدراسات، فعمدت الى إضافة بول ريكور وريتشارد رورتي، وكان شعوري وقتنئذ هو الاهتمام الذي كنت أوليه للتأويلية والتفكيكية معا، فراودني عنوان ''تأويلات وتفكيكات'' الذي وجدته جذّابا وكان للمفكّر علي حرب دور في ذلك، بمعنى أنه نصحني باختيار هذا العنوان· هيو سيلفرمان ألّف كتابا بنفس العنوان بين التأويلية والتفكيكية والذي ترجم إلى العربية، فالغالب اليوم، في أمريكا خصوصا، الدراسات التي تحاول إيجاد أرضية مشتركة بين التأويل والتفكيك (بين المعنى ونفيه)، وهو ما أحاول التمعّن فيه والكتابة حوله·

 ثم في ''هويات وغيريات'' على القضايا الذاتية إن صح التعبير؟

 ''هويات وغيريات'' جاء نتيجة همّ معرفي ظهر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة: كيف وبأي معنى وصلنا الى درجة الصراع بين الهوية والغيرية (الذّات والآخر)؟ سنة قبل ذلك كنت قد نشرت في جريدة ''الوطن'' الجزائرية مقالا بالفرنسية بعنوان ''الإسلام والغرب بين المعنى والهيمنة'' ونشرته بالعربية في جريدة ''المستقبل'' اللبنانية، ترجمه سردان رايليتش إلى اللغة الصربية - الكرواتية ونشره في مجلة ''زاريز'' الصادرة في زغرب (كرواتيا) في عدد شارك فيه السوسيولوجي جون بوداريان على غرار تأويلات وتفكيكات، فضّلت أن أعنون دراساتي بالفرنسية بعنوان يفيد الجمع، ليس فقط لاعتبارات الأناقة والسجع ولكن لأهداف معرفية لأن الهوية هي دوما بالجمع (هويات)، فلا يوجد وحدة مطلقة هي بمثابة الأساس الوجودي والثقافي للهوية· والغيرية هي أيضا بالجمع: عندما ننعت الآخر (الغرب مثلا) فلا نشير إلى غيرية ذات وحدة مطلقة نفسيا وثقافيا وتاريخيا· فهناك دوما في الهوية روابط غيرية، وفي الغيرية حضور الهوية· يمكننا الحديث عن أمشاج تتجاوز ما أصبح يسمى عبثا أو عن جدية ''صراع الحضارات''· مضمون الكتاب هو قراءة هذه الروابط الضمنية بالاستعانة برمزية المرآة: لعبة التقابل بين الشخص وشبحه المتجلي في المرآة، أي بين الهوية وغيريتها·

وفي ''إزاحات فكرية'' على قضايا فكرية محلية، كيف قاربت هذه المسألة؟

 في ''إزاحات فكرية'' كان اهتمامي منصبًّا على مشكلة المثقف وأنت - صديقي بشير مفتي- شاهد على هذه الإنارة الفكرية التي دامت بعض الوقت في جريدة ''اليوم'' وكنّا نناقش معا مفهوم المثقف ودوره في المجتمع ونتبادل الانتقادات بسعة صدر· كنت وقتها أشايع علي حرب في ما كتبه حول المسألة، وعوض حديث النهايات حبّذت أخلاقية التناهي معتمدا في ذلك على قراءتي لكانط وغادامير وفوكو· كان الهمّ المعرفي موجّها نحو تحديد أولويات المثقف بين الالتزام المعرفي والنضال السياسي وكذا علاقته بالحداثة· غالبا ما كنت أقرأ بعض المثقفين المتشائمين حول استحالة وجود حداثة في ديارنا رغم مسارات التحديث على المستوى الاقتصادي والاجتماعي· فعمدت إلى تغيير السؤال لأطرح الحداثة كفلسفة في ''الحدث'' (événement) لنخرج من مآزق التمثّلات حول أي حداثة نختار أو ننتهج· كانت قناعتي هي كالتالي: لا نختار ولا ننتهج باتباع نمط معين آت من الغرب (أوروبا وأمريكا) أو من الشرق (الصين واليابان)، ولكن بابتكار حداثة ذاتية مرتبطة بالحدث الذي ننتجه كل يوم في شتى الميادين· هذا لا يعني أننا لسنا محتاجين إلى ابتكارات الآخرين وحياتنا برمّتها تتوقّف على مبتكرات الآخر (سيارات، طائرات، حواسيب، أنظمة المعاملات النقدية في البنوك، الهاتف النقّال··) لكن مفهومي للحداثة يتجاوز النطاق الضيّق للتحديث لينصبّ على ''صناعة الحدث'' حيث للوعي الفردي والجماعي حضور ومشاركة وليس فقط حداثة منفعلة أو مفروضة تحت وطأة السوق ومنطق التجارة·

''الإزاحة'' التي كنت أعنيها هي هذه: الانتقال من التحديث المادي والتكنولوجي إلى الوعي بالحدث الفردي والجماعي الذي نبتكره في نطاقنا الخاص، الكل في تخصصه، بموارده وطاقاته· وضعت المثقف في هذه الضفة بين الضرورة المادية والوعي الرمزي، دون التخلي طبعا عن الطموحات والآفاق أو الآمال والأحلام، بمعنى اليقظة المستمرة تجاه كل أنواع الاستعباد أو الاستبداد في مختلف أشكاله وألوانه·

  

Publié dans philozine

Commenter cet article