[Ar] Critique de la raison islamique chez Arkoun محمد أركون و التحدّي النقدي للعقل الإسلامي

Publié le par ZINE

محمد أركون
و التحدّي النقدي للعقل الإسلامي
 
 
 
 
 الدكتور محمد شوقي الزين
 
 
 
 
"كلافيس كريتيكا" أو مفتاح النقد في مساءلة العقل
الحديث عن فكر محمد أركون هو في الوقت نفسه مسألة هامّة و ضرورية. ضرورة فهم كتابات أركون تستجيب لمطلب أساسي هو نشاط و مسؤولية الفكر العربي المعاصر في تبنّي رؤى و مقاربات جديدة لم يسبق للفكر أن وضع متاعه النقدي فيها لأسباب تاريخية و سياسية و نفسية ألجمت اللسان و أحجمت البيان و حجبت ما لم يفكّر فيه هذا الفكر و أقصاه من حقل مباحثه و مشاغله.
تسير كتابات محمد أركون وُفق هندسة فكرية ثلاثية البُعد : "إختراق"، "إزاحة"، "تجاوز" ([1]). فالقراءة النقدية لنصوص التراث الديني تعمل على إعادة تقييم المفاهيم و التصورات و المتخيّلات التي اتخذت في تاريخ الفكر العربي و الإسلامي صبغة مطلقة و جامدة و سكونية. التفكير في هذه البنيات اللاهوتية و الأنثروبولوجية المؤسّسة لتاريخ هذا الفكر تستدعي "إختراق" المصطلحات و المفاهيم و العادات الفكرية وليدة الرؤى اللاهوتية و التي "أسطرت" (Mythologiser) النصوص المؤسسة بقولبتها ضمن أطر دوغمائية لا تناقش. فاختراق الطبقة الدلالية (أو المعنى الضمني "mens octoris") للنص المؤسس (أو النص "المقدّس" بالأحرى) لا تعني إهدار هذا النص كما يوهمه لفظ "إختراق" و إنما تقييمه بواسطة أدوات و آليات معرفية مستقاة من خزائن العلوم الإنسانية و الإجتماعية (الألسنية، التاريخ، الأنثروبولوجيا، الهيرمينوطيقا، علم النفس و الإجتماع، الخ). تتخذ هذه الآليات شكل مفتاح نقدي (أو "كلافيس" (Clavis) باللاتينية) بفضله يفتح العقل الإسلامي أقفال التراث الفكري و الديني الذي لا يزال مكبّلا و مغلقا بمعرفة وثوقية مشرّعة تحول دون الكشف عن مضامينه الإبستمولوجية و الأنثروبولوجية معرفيا و دوافعة التمويهية سلطويا. فلا يمكن مواجهة سلطة التراث بآليات الإسلامولوجيا (علم الإسلاميات) كما يصطلح عليها أركون حيث أبدت حدودها النظرية و العملية في استنفاد هذا التراث برمّته : "إذا لم تفلح الإسلامولوجيا الكلاسيكية في أيّة إعادة توزيع للمعرفة الغربية، فهو أن معظم المشتغلين عليها ضلّوا ملتحمين بالنظرة التاريخانية و الإتنومركزية" ([2]). الإختراق يستلزم "الإزاحة" كبُعد إجرائي و مفهومي لا يمكن الإستغناء عنه، بمعنى إزاحة البنيات الصورية الجامدة و الراسخة لهذا التراث و المتمفصلة مع خطابة اللاهوتي نحو فضاءات معرفية و مقاربات فكرية أكثر تطورا و انفتاحا. تمكّن هذه الإزاحة من الكشف عن الأمر الذي ظلّ مغيّبا و مطموسا عبر لعبة الوهم و الإقصاء و التي بفضلها تتجمّد و تتصلّب هذه البنيات النظرية للعقل. و الإزاحة تقتضي "المجاوزة" أي تجاوز خطاب "الأسطرة" الذي يتكلّم عبر هذه البنيات و القوالب النظرية و الفكرية بالكشف عن الطابع الدينامي و التطوري الضمني الذي يفرض نمطا لا ينضب من المساءلة و المراجعة. فقط العقل المسائل و المتحسّس و المتلمّس و المتحمّس للمغامرة المعرفية و النقدية بإمكانه إدامة الحركة النقدية الدؤوبة في شكل حيرة فكرية لا تنقضي باليقينيات و الإطلاقيات و تعطّش معرفي يدفع بالعقل إلى البحث عن فضاءات معرفية واسعة و التنقيب في الأرضيات الدلالية عن خزائن دفينة من المعنى و الحقيقة و الوجود و الصيرورة. هذا العقل "السائر الحائر" و المتعطش للمعرفة بمعزل عن نمط السلطة و الهيمنة قد تكبّله النزاعات الإيديولوجية و صراعات القوى و تعرقل نشاطه النقدي. فهذا الجو الملوّث بعبثية التسلّط و التمويه من شأنه أن يسمّم العقول المتحرّرة بشعارات تزرع في الحقل الإجتماعي بذور التقوقع و الوثوقية و الإقصاء المتبادل : "إن أحد أهداف الإسلامولوجيا التطبيقية هو استبدال جوّ التناكر و النبذ المتبادل بضرورة بحث علمي وحدوي. ينبغي عزل الإفراطات الخطيرة لما تصطلح عليه المذاهب المعارضة اسم "الغزو الفكري" للغرب" ([3]). باختصار، يبدو النقد غريبا تماما عن دوافع الهدم و التخريب و التشكيك. إنه بالأحرى بناء و إعادة تقييم وُفق معايير علمية و موضوعية صرفة. أخذ النقد بهذا المعنى الإيجابي و الخلاّق و المثمر معناه الحدّ من المخاوف اللامشروعة إزاء فقدان المعنى و انهيار الهوية و ضمور القيمة.
 
إسلامولوجيا تطبيقية : من التصوّر إلى الحدث
لا يتحدث المفكّر الجزائري محمد أركون عن "الإسلام" كمفهوم مجرّد و مفارق، متعالي عن شروطه التاريخية و الموضوعية و إنما عن "الحدث الإسلامي" كظاهرة اجتماعية و تاريخية و نفسية تحتويها آليات الفكر العلمي بحذافيرها. فالمفهوم الإجرائي الذي تبنّاه أركون هو تبيان انخراط الحدث الإسلامي في تاريخية الممارسات الخطابية و الإجتماعية و السياسية و محايثته للحقل الإجتماعي الذي انبثق فيه و تطوّر في طيّات أحداثه و تقلّباته، و هذا يسمح لنا بنعت هذه الظاهرة التاريخية أو هذا الحدث الإسلامي كنشاط فعلي للتاريخ ([4]) أو الوظيفة الفاعلة للتاريخ في توجيه مجرى هذا الحدث و كذا التلوينات الإيديولوجية و السياسية التي أصبغت عليه. فهذا التحديد الإجرائي يسمح بالتمييز بين التصوّر التاريخي و الأنثروبولوجي لهذا الحدث و الإستعمال الذرائعي و البراغماتي الذي تستند إليه إيديولوجيا الكفاح و التبجيل. فالإسلامولوجيا التطبيقية تبدو ضرورية و كافية قصد تفكيك جملة الطبقات الفكرية و المخيالية و المفهومية المتراصّة و المتجذّرة في الممارسة السياسية و التربوية و الإقتصادية والثقافية. بينما كانت الإسلامولوجيا الكلاسيكية تحوم حول تأريخية ساذجة و إتنوغرافيا مدعّمة من قبل الحضور الكولونيالي/الإستعماري في البلاد العربية، فإن "الحذاقة العملية" للإسلامولوجيا الأركونية تذهب إلى ما وراء التصنيفات التأريخية و الإتنوغرافية الضيّقة لتحفر في طبقات النصوص و الخطابات بمساءلة الأسس و التأسيسات و البداهات التي تقوم عليها و تنطلق منها قصد بناء تصوّرها للعالم و الإنسان و الوجود. الإسلامولوجيا التطبيقية التي يدعو إليها أركون عبارة عن "أركيولوجيا" فاعلة في سبيل زحزحة الخطابات المترسّبة و تقويض البداهات الوثوقية المتجذّرة. فهي لا تسائل النص "الأصلي" فقط و إنما تعتني أيضا بنقد التأويلات و المتخيّلات التي نُسِجت و صُنِعت حول حقيقته المتوارية. تسائل و تنتقد الإسلامولوجيا التطبيقية النص الذي يؤسّس "خطابا حول" نص آخر و يزعم أنه "الخطاب-الحقيقة" حول أفكاره و تصوّراته و مقاصده و حقائقه المضمرة. بتعبير آخر، ليس فقط النص المحوري و المركزي الذي تعتني الإسلامولوجيا التطبيقية بتعرية طبقاته و حقائقه وُفق عقل منهجي و تطبيقي صارم، و إنما النصوص المجاورة التي تفسّره و تشرحه و تؤوّله تخضع بدورها إلى معاول التفكيك و البناء و مقتضيات التحليل و التشخيص. هذه العملية المعقّدة في تشريح و تشخيص النص و مراياه المتقابلة أي تأويلاته المتضاربة تهدف إلى التمييز بين حقيقتين متشابكتين : حقيقة النص "الأصلي" (أي النص "المقدّس") و حقيقة كلّ نص "تأويلي و شارح". تبدو ممارسة العزل و الحل هذه ضرورية و أساسية لأن الحقيقة الدينية ليست أبدا أثيرا خالصا و شفّافا كما بدت في لحظة انبثاقها و بروزها للوعي العربي و إنما تتحول في سياق النشاط التاريخي الفاعل و بتدخّل اامخيال أو المتخيّل الفردي و الإجتماعي إلى أطر جامدة و ثابتة و خطابات فجّة. و النص لا يتّخذ دلالته و قيمته إلاّ بحضور وعي القارئ الذي يمارس ذهنه و خياله و وجدانه في فهمه و استخراج معانيه. فليس النص، من هذا المنظور، مجرّد كينونة ساكنة و مستقلّة و إنما يُشتغَل كفضاء رمزي و شاعري يجوبه الوعي الفردي و الجماعي. فهو يستقي شرعيته و قيمته من جملة الفاعلين الإجتماعيين الذين ينتجون حقائقه و دلالاته بفهمه و قراءته و تأويله. هذه القراءة الفردية و الجماعية في إنتاج المعنى و بناء الحقيقة تصبح مخيالا منتجا و مبدعا و موزّعا في الحقل الإجتماعي. المخيال أو المتخيّل الديني "يترجم" حقيقة النص "المقدّس"، لكنه "يخون" [5] أيضا دلالته بقولبتها و أسطرتها و هي دلالة لا تنفك عن التعدّد و الإختلاف. و عليه، فرض دلالة أحادية للنص هو فتح مصراع الإرهاب الفكري أو العنف الرمزي الذي لا يزال الوعي العربي يعاني منه : "القرآن هو نص مفتوح يتعذّر على أيّ تأويل غلقه بصورة قطعية و "أرثوذكسية". على العكس تماما، المذاهب المسمّاة "إسلامية" هي حركات إيديولوجية تدعّم و تضفي مصداقية و شرعية على إرادات القوّة للجملعات البشرية من أجل الإستحواذ على السلطة و الهيمنة" [6]. تعمد الإسلامولوجيا التطبيقية الأركونية إلى محو هذا الخضوع إلى السلطة المطلقة و غير المشروطة للمعنى قصد مساءلة الواقع المعاش بالإعتماد على آليات معرفية حديثة قادرة على مجاوزة جنون الهيمنة أو الإرهاب الفكري كما هو متجلّ اليوم في دنيا الخطابات المتطرّفة : "يبدو أنه ضروري جدّا أن نتحمّل تعقّد الوضعية التاريخية التي عاينها المسلمون و كذا القلق المعرفي للعقل الراهن في سبيله نحو إدراك الحقيقة" [7]. يلاحظ أركون أن الفكر الإسلامي لا تزال تسيطر عليه النظرة الرجعية التي تستنفد رموزها و قيمها في "إبستمي" (المنظومة المعرفية) العصر الكلاسيكي. فثمّة إذن حركة دؤوبة من التصوّرات و الإدراكات و التمثّلات الفردية و الجماعية تتشكّل اليوم على قاعدة الإبستمي "المونادي" (الذرّي المغلق) و المكتمل كمعرفة مطلقة و مغلقة لا تناقش، و يولّد بذلك روحا دوغمائية ساذجة مغتربة و منفصمة عن واقعها و تاريخيتها.
إذا كانت الإسلامولوجيا الكلاسيكية تسعى لإعلام الرأي العام الغربي حول بنية و وظيفة العقليات و العقائد و الأديان الأخرى (و هو إعلام تعمل على تكريسه و ترويجه وسائل الإعلام بعقل تصنيفي ضيّق) فإن الإسلامولوجيا التطبيقية كما يفهمها أركون تتجاوز إطار المناقشات العقيمة و الإقصاءات المتبادلة و النزعات الدفاعية المبالغ فيها من أجل تأسيس نشاط فكري و فعلي يرتكز على دعائم المقارنة المثمرة و المقاربة النقدية للخطاب المؤسس للفكر الإسلامي. هكذا تفتح الإسلامولوجيا التطبيقية، في الخطاب المعرفي المعاصر، منظورات و تنظيرات فكرية في ميدان الأنثروبولوجيا الدينية.


[1] و هي ثلاثية مفهومية استعملها في قراءة أعمال المؤرّخ كلود كاهين. أنظر : محمد أركون، "إختراق، إزاحة، تجاوز"، مجلة "أرابيكا" (Arabica)، مجلة الدراسات العربية الإسلامية، ملف "كلود كاهين : قراءات نقدية"، عدد 43، 1996، ص.28-70.
[2] محمد أركون، نحو نقد العقل الإسلامي، باريس، ميزونوف-لاروز، 1984، ص.47
[3] المرجع نفسه، ص.48
[4] ترجمة عن المفهوم الألماني (Wirkungsgeschichte) الذي ابتكره الفيلسوف المعاصر هانس غيورغ غادامير. أنظر دراستنا : "كلافيس هيرمينوطيقا : مفتاح التأويل في قراءة التراث الإنساني"، مجلة "المعرفة"، عدد 433، أكتوبر 1999، دمشق (سورية).
[5] الترجمة (traduction) كتراث (tradition) لها علاقة بفقدان المعنى الأصلي بمعنى خيانة (trahison).
[6] محمد أركون، نحو نقد العقل الإسلامي، المرجع نفسه، ص.132
[7] المرجع نفسه، ص.50

Publié dans philozine

Commenter cet article