[Ar] متنمات1: في مكنون المتنمة

Publié le par ZINE

المَتْنَمَة هي تعريب للكلمة الإغريقية "ميتونوميا" والتي نترجمها في الغالب "بالمجاز المرسل". والمتنمة تعني حرفياً، على الأقل في اللسان الإغريقي العريق، «إزاحة في الإسم»: مثلا "قبض على عين خطيرة"، والمراد بالعين هو المتجسّس، فانتقل الإسم من عضو البصر (الجزء) إلى الشخص (الكل)؛ أو "ظفرت باريس بالموسم الرياضي" والمقصود به الفريق الرياضي للمدينة وليس المدينة في حدّ ذاتها. وهناك خصائص أخرى للمتنمة ليس مجالها هنا، لأنّ المراد ليس القيام بدرس في علم البيان، ولكن استعمال هذه الذخائر الأسلوبية في التعبير عن مبحث آخر. وآخذ "المتنمة" بالمعنى الحرفي في إزاحة الإسم، بنقله من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية. لكن أكثر من مجرّد "نقل" يتعلّق الأمر أساسا بالنقل على مستوى الإسم نفسه. كيف ينتقل الإسم بالإسم من أجل الإسم، يحتفظ بالدلالة ويزيحها في الوقت نفسه؟ أتوقف عند "المتنمة" كتوكيد على "المتن". عندما أقول "متنمي" فإنني أقصد حرفية الإسم وما يتعدّاه. المقاربة هي لغوية محضة لكنها لا تخلو من شعلة فكرية وروح نظرية. والمتن في اللغة هو الشيء الظاهر (قد يقابله شيء باطن في شكل معنى أو مغزى كما هو معروف في المذاهب الروحية)، وله قيمة المتانة والصلابة، أي "الكوربوس" بوصفه جسدا من العبارات والألفاظ التي تمّ تثبيتها، مثل المتن النبوي في السيرة (الأقوال والأفعال)، أو المتن الناموسي كجسد في القوانين والأعراف. والتقارب بين "الكوربوس" والجسد ليس لغرض اعتباطي، بل لأنّ الجسد يعني أساساً وحدة متكاملة من عناصر تركّبها. الجسد له دلالة الوحدة المتشابكة والمتماسكة. فليس غريبا إذا كان الرواقيون قد اعتبروا الإله "جسد" والحقيقة "جسد". لأنّ المراد بالجسد ليس الصلابة الحسيّة أو الدلالة المادّية (وهو الفهم الخاطئ لما أرادته الرواقية)، ولكن الصرامة الهيكلية، التكامل البنيوي، الوحدة المترابطة والمتراصّة. المتنمي هو حرفية النص، جسديته، لكن في حركته لا في سكونه، في حيويته لا في جموده، في عبوره لا في تعبيره، أي في نقله وانتقاله، في جوازه ومجازه.  

وهذا الفن ضلع فيه أرباب العرفان مثل ابن عربي في الثقافة الإسلامية، وإبراهيم أبو العافية في الثقافة اليهودية. خلافاً للأفكار الشائعة لم يكن، في الحقيقة، أصحاب التأويل ينتقلون من الظاهر إلى الباطن كما توهّم الكثير من الدارسين، ولكن كانوا ينتقلون من الظاهر بالظاهر في إحاطة شاملة تتخذ إسم الباطن. ليس الباطن هو السرّي، ولكن ما خفي عن الأنظار، ما تمّ ستره أو كنّه، ما تمّ تفخيمه أو ترميزه، ليتحوّل تحت وطأة الترميز والتقديس إلى شيء متعالي، سرّي، غوري، عميق، مبهم. من هنا كتب ابن عربي: «العقلاء عبيد الأفكار والواقفون مع الاعتبار، فجازوا من الظاهر إلى الباطن مفارقين الظاهر ليعبروا عنه... أما المؤمنون الصادقون أولوا العزم من الأولياء فعبروا بالظاهر معهم لا من الظاهر إلى الباطن وبالحرف عينه إلى المعنى، ما عبروا عنه» (الفتوحات المكية، 3، 257). وكانوا في الغالب يصوّرون هذا العبور كالقارب وسط الخضم، وقد يكون الخضم هادئا ليعبّروا عن ذلك بالبسط والسكينة والأنس والوقار، وقد يكون هائجاً فيصوّروا ذلك بمصطلحات القبض والباده والهجوم والوجد، وكانوا ينعتون هذه المصطلحات بالثنائية المعروفة "الأحوال والمقامات". ليس الغرض هنا أيضا القيام بدرس في التصوّف، لكن لتبيان الطابع "المتنمي" في التصوّر العرفاني، حيث كان الإسم ينتقل مع المسمّى ولم يكن المسمّى يحجب الإسم. هل يتعلّق الأمر بالإسمية كما عرفها العصر الوسيط؟ هل هي "ظاهرية" بالمعنى الذي ضلع فيها ابن حزم القرطبي في رفضه للجوهر وإقراره بالأعراض والعلاقات؟ ليس الغرض كذلك الوقوف على التاريخ الطويل لهذه الإسمية في شقّها الإسلامي مع ابن حزم أو شقّها المسيحي مع روسلان وأوكام، ومع ما يسمّى في الأوساط الأكاديمية الوسيطية "السجال حول الكليّات".

إنّ الغرض هو تبيان أنّ الإسم يرتحل، والثابت هو بالأحرى الرسم. تُجمع أمّهات القواميس العربية على أنّ الإسم مشتق من الرفعة والسموّ، وله بالسماء مناسبة من جرّاء السموّ والعلوّ الذي تختص به السماء. وكما أنّ السماء نراها ولا نلمسها، ولا نعرف ماهيتها؛ كذلك الإسم هو مجرّد كنية نضفيها على الأشياء. فالإسم هو تعاقدي، له سياق وتاريخ، ميلاد وأفول، اهتمام وعزوف، قد يدلّ في ظرف تاريخي على قيمة بليغة وقد يفقدها في ظروف أخرى. ليس الغرض في "المتنمة" هو استبدال كلمة بكلمة أخرى، لكن تبيان كيف أنّ الكلمة ذاتها تمتدّ وترتدّ أو تشتق وتنشقّ. قد يكون هناك استبدال أو تبديل، إحالة أو تحويل، والذي ينمّ عن حركة الفكر في الفحص والتحليل، لكن من خاصية المتنمة أنّها قراءة في تحوّلات الكلمة، المفهوم، المتن، الجسد، الفعل، إلخ. وهذا ما أرومه من هذا المدخل، هو قراءة "متنمية" في الكلمات كمفاهيم أو أطياف، بالوقوف على جسدها واختبار قيمتها في "الإحاطة الدلالية" التي تنتمي إليها.  

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article