[Ar] متنمات3: في مكنون قوله: نور أنّى أراه أو نورانيّ أراه

Publié le par ZINE

 «عن صحيح مسلم، في باب الإيمان: باب في قوله عليه السلام «نور أنّى أراه» وفي قوله «رأيت نوراً». حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال: سألت رسول الله (ص) هل رأيت ربك؟ قال نور أنى أراه؟ و في الحاشية: وقوله عليه السلام : رأيت نورا، معناه : رأيت النور فحسب ولم أر غيره، قال: وروي ( نوراني أراه) بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء ، ويحتمل أن يكون معناه راجعاً إلى ما قلناه أي: خالق النور المانع من رؤيته فيكون من صفات الأفعال».

إنّ الصيغتين متعارضتان رسماً ولكنهما متماثلتان اسماً. في كلتا الحالتين كانت الرؤية، وفي كلتا الحالتين كانت رؤية النور، لكن الموضوع الذي لأجله كانت الرؤية لم يكن. وفي هذا السياق، موضوع الرؤية هو الله. إنّ قوّة الصيغتين كونـهما متناقضتين في المظهر، لكنهما متماثلتان في المحضر. جاءت الصيغة الأولى "نور أنّى أراه؟" في صيغة الاستفهام والتعجّب لنفي الرؤية، ولكن موضوع الرؤية مضمر في الصيغة، لأنّ المقصود هو: لم أره، لم أر الله، لأنني رأيت نوراً. وهل هذا النور هو عينه الله في الصيغة الأخرى: «نورانيّ أراه»؟ مسوّغ ذلك هو آية النور: «الله نور السموات والأرض». إنّ الفاعل لم ير سوى النور وأنىّ له أن يرى شيئاً آخر سوى النور، «نور على نور». لكن هل يمكن رؤية النور حقيقةً؟ هل النور هو موضوع الرؤية أو ذاتـها؟ هل الضمير في "أراه" عائد على النور أم على الله؟ جاءت الآية لتبرز أنّ الله هو النور وليس العكس، بحكم أنّ العام يشمل الخاص، وليس العكس. والمعضلة في الحديث-الحدث أنّ هناك نفي الرؤية وإثباتـها في الوقت نفسه، فهو رأى (نورانيّ أراه)، ولم ير (نور أنّى أراه؟)، لأنّ من طبيعة النور أن نراه، لأنّه يتسلّط ولا يمكن تفاديه، ولا يمكن رؤيته في ذاته، فهو حجاب عن الرؤية. فهو يتبدّى بآثاره (مثل الشمس التي ندركها عبر النهار أو عبر ضوء القمر في الليل) ولا يتجلّى في حقيقته. وبالقياس، إذا كان الله هو النور، فهو يتجلّى بآثاره في العالم عبر الأسماء التي انفردت بخلق العالم وتنظيمه، ولا يتجلّى بحقيقته التي تظلّ خفية بألف حجاب من نور وظلمة كما يقرّر ابن عربي في كتاب الجلالة وهو كلمة الله.

ليس الغرض هنا القيام بلاهوت في النور، ولكن إبراز مكنون هذه الرؤية التي يتحدّث عنها المتن النبوي، والتي هي بحقّ ذات بنية "كياسمية"، بينية، برزخية، تفيد الإمكان والاستحالة، النفي والإثبات. نعرف جميعاً أنّ التاريخ الإسلامي في شقّه الكلامي شهد سجالات، بل ومشادّات عنيفة، بشأن رؤية الله التي نفتها المعتزلة وأقرّت بـها المذاهب الأخرى، باللجوء إلى العقل أو بالاستشهاد بالنقل. وعلّلت المعتزلة بالاثنين معاً، العقل والنقل، في نفي الرؤية، خصوصاً الآية: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار» (الأنعام، 103)، والآية «ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني» (الأعراف، 143)، والآية «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربّـها ناظرة» (القيامة، 23). وقد خصّص القاضي عبد الجبّار صفحات عديدة من شرح الأصول الخمسة في إيراد البراهين التي أخذت بـها المعتزلة في نفي الرؤية مؤوّلاً النظر هنا بالانتظار، مصدّقاً ذلك بالآية «ناظرة بم يرجع المرسلون» (النمل، 35). قبل الخوض في هذا المبحث بشكل "متنمي"، ليس الغرض هو لاهوت الرؤية، ولكن لإزاحة الاسم ومعرفة كيف أنّ الرؤية هي موضوع المتن بقدر ما هي الذات التي ترى. فهي "كياسمية" بامتياز. لنأخذ الآية «ربّ أرني أنظر إليك» بـهذه الصيغة: «أرني أراك»، فإنّ الفعل "أرى" هو "كياسمي" (تقاطعي) لأنّه يبرز في حرفيته الضمير المتكلّم (أنا) والضمير الغائب (هو): أنا أرى، هو أرى. الأنا يرى مباشرة، والهو يُري غيره شيئاً. هناك رؤية مضاعفة: الأنا يرى، والهو يُري الأنا لكي يراه. يأتي فعل الرؤية من الهو ليتيح للأنا أن يرى. وبالتالي كان الجواب حاسماً ولكن غير مستحيل: "لن تراني"، أي لا يرى الأنا سوى بالرؤية التي أتاحها الهو.

وسأبرز بعد قليل كيف أنّ الأسماء "رؤية"، "نظر"، "بصر"، ينبغي أن يكون لها نحواً خاصّاً، لأنّ المفردات الرؤية، النظر، البصر لا تؤدّي الدلالة ذاتـها من حيث صيغتها ووظيفتها في العبارة. هل كل من ينظر يرى؟ هل كل من يرى يبصر؟ ما الأمر الذي يجعل مكنون النظر ليس مكنون الرؤية ولا مكنون البصر حتى وإن كانت هذه الحدود تتقاسم دلالة مشتركة هي الإدراك الحسي؟ في سياق الآيات التي كان حولـها الاختلاف في السجال الكلامي، هناك أدوات لم يتمّ الالتفات إليها، ما عدا ربّما التفسير الذي قدّمه ابن عربي سعياً منه في إنزال كل مفردة المنزلة التي تستحقّها. لأنّ موضوع الرؤية هنا هو الربّ أو الله أو الهو. فتختلف المفردات إذن باختلاف موضوع الرؤية:

1- يقترن الربّ بالرؤية والنظر: «ربّ أرني أنظر إليك»، «إلى ربّـها ناظرة» ؛ «كأنّي أنظر عرش ربّي بارزاً»، «يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟»، «ترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر»، في الحديث.

2- يقترن البصر بالهو: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار»؛ وفي الحديث: «إنّ لله سبعين حجابا من نور وظلمة، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه».

ولا شكّ أنّ هذه "المتنمات" لها دور بارز في تبيان خاصية كل مقولة، لأنّ مقولات الربّ والله والهو لا تتمتّع في السياق بنفس الدلالة. هناك أيضاً أدوات لغوية ترتبط بكلّ مقولة على حدة: البصر والبصيرة، حيث يقال البصر للإدراك الحسّي والبصيرة للإدراك الباطني؛ النظر والنظرية، أي الإدراك الحسي والإدراك العقلي، وقد اشتهر عند القدماء قولهم "النظر العقلي" أي التخمين والبرهان والتفكير؛ الرؤية والرؤيا، أي الإدراك الحسي والإدراك الخيالي، حيث الرؤية تقع على ما هو ملموس، والرؤيا على ما هو متخيّل كالمنام. إذا وضعنا هذه المقولات مقابل المعاني التي تحتملها، هناك اختلاف في الدور الذي تؤدّيه على مستوى الدلالة:

1- النظر-النظرية: الإدراك الحسي/الإدراك العقلي

2- البصر-البصيرة: الإدراك الحسي/الإدراك الباطني

3- الرؤية-الرؤيا: الإدراك الحسي/الإدراك الخيالي     

إذا ربطنا هذه المقولات بالموضوعات التي تبتغيها، فإنّ الربّ يُدرَك بالعقل والخيال، والله والهو يُدرَك بالباطن. كذلك عندما نلتفت إلى الأدوات التي ترتبط بهذه الإدراكات، فإنّ الصيغ تختلف:

1- النظر-المنظار: يقال المنظار للأداة في رصد الفلك، فلها علاقة بالخبرة العقلية

2- الرؤية-المرآة: تقال المرآة للانعكاس، فهي ذات بنية طيفية، شبحية، فلها علاقة بالقيمة الخيالية.

3- أمّا البصر فيفتقر للأداة، لأنّه ينتمي إلى القيمة الاستبطانية التي تتجاوز الحالة الحسيّة.   

كل نظر يخصّ الربّ الذي تربّى عليه كل فرد، أي الحياة التي استحقّها والأرض التي تمتلكه رمزاً أو يمتلكها حسّاً. ففي النظر يستعمل الفرد القيم العقلية والخبرات النظرية التي اكتسبها أو جُبل عليها. فالنظر هو جهد فكري يتيح للفرد وزن الأمور بميزان البرهان، والتمييز بين الأشياء بالحصافة والرويّة. كذلك تربط الرؤية الفرد بذاته وبما يراه بنظره وعقله في نفسه: «فما رأى راءٍ سوى نفسه» (الفتوحات، 4، ب558، 319)؛ «الرائي أي راءٍ كان ما يرى في المرئي إلا صورته حقاً كان أو خلقاً فلا يعرف قدر المرئي إلا إذا عرف ما رأى» (الفتوحات، 4، 420)، لأنّ من شأن الرؤية أن تربطه بالمرآة التي يرى عبرها ذاته. فالرؤية هي ذاتية بامتياز. كل من يرى، فهو يرى نفسه في الأغيار: «أرني أنظر إليك»، فلا يمكن الرؤية سوى بوسيط هو بمثابة المرآة. فليس غريباً أن يدلّ التفكير قبل كل شيء على الانعكاس وهو ما ضلعت فيه الفلسفات الذاتية من ديكارت وحتى برغسون. إذ لا يمكن النظر سوى بالرؤية كعلاقة الذات بذاتـها، أو لا يمكن التفكير والتخمين سوى بشيء زائد وهو الخيال في تلطيف الإحساس كما اشتهر في الفلسفات المعرفية من ابن سينا إلى كانط مروراً بالغزالي وديكارت. فالخيال هنا هو الوسيط بين العقلي والحسّي، أي بمثابة المرآة التي ينظر فيها العقل نفسه بعدما تأمّل في الحسّ الذي هو موضوعه. الرؤية هي برزخية، خيالية، طيفية يسبح فيها النظر ويستمدّ منها مادّة نظره الحسي والعقلي.

أمّا البصر فهو أغور من حيث الصيغة والأداء. يتجاوز النظر الذي نطاقه العقل، ويتعدّى الرؤية التي مجالـها الخيال. ينتمي البصر إلى بواطن مغلّفة وعزيزة الحمى. ينتمي إلى «الـهو» الذي تُعرف آثاره ولا تُدرك ماهيته. إنّه الأمر السرّي والمبهم. فالإنسان الذي يبصر ويستبصر هو الذي يستمدّ موضوع تبصّره من الأمر السرّي القابع في مكامنه. ما طبيعة هذا الأمر الدفين؟ هل يتعلّق الأمر بالأغوار النفسية؟ هل هو اللاشعور في اختلاجه؟ أيّا تكن مادّة الاستبصار فهي مبهمة ومغلّفة وتتعدّى النطاق البشري، لأنّـها تتعدّى أساساً النظام العقلي للنظر والنظام الخيالي للرؤية. إنّ نظام البصر يشمل الوجود في رمّته في صورته البشرية أو الحيوانية أو الطبيعية. إنّه نوع من الانتباه والنباهة، نوع من اليقظة والحصافة. كل كائن في الوجود، أيّا كانت طبيعته (إنسان، حيوان، نبات) له في قرارة وجوده الانتباه الحادّ لمحيطه. أمام الإحاطة الوجودية التي يتواجد فيها، فهو يقابلها بالحيطة. فيتبصّر ويستبصر بقوّة حادّة: «فبصرك اليوم حديد» (ق، 22). هذه القوّة الحادّة تخصّ البصر وتشمل الكائن في رمّته، وهي أقلّ حدّة في النظر لأنّ من شأن النظر أن يتدبّر ويتأنّى في الملاحظة والمراقبة. وهي ذات حدّة أكثر في الرؤية منها في العقل لأنّـها تشمل نطاقاً أوسع وهو الخيال. ولكنها حادّة وجادّة في البصر لأنّـها آنية، عفوية، إنذارية، حذرية لا تنتمي إلى نظام التأمّل والتريّث كما هو شأن النظر، وإنّـما إلى نظام السرعة والخفّة. فهي ترتبط بشكل وثيق بالذكاء الحادّ الذي يذكي نيران الوجود بلهيب القوّة الباصرة، وبسرعة الخواطر وسيلان البواطن. إنّـها قوّة مفاجئة وطارئة.               


Commenter cet article