[Ar] سؤال الإجتهاد

Publié le par ZINE

الاجتهاد بين بابل المعرفة ووابل السلطة

 

محمد شوقي الزين

 

 

 

الحديث بمنطق الأبواب المغلقة أو المفتوحة يبيّن كيف أنّ “الاجتهاد”، قبل أن يكون «معرفة» في الترتيب أو القياس أو التحرّي، هو أساساً «سلطة» في الإقرار بالحقائق وختمها بخاتم القهر أو الوثوقية. كان «الاجتهاد» في الفكر الكلاسيكي مرتبطاً بأخلاقيات ينبغي التحلّي بها وبمعارف يتوجّب التبحّر فيها للحصول على لقب «المجتهد» مثلما نتحدّث اليوم عن «المفكّر» أو «المثقف». لم يتخلّص الاجتهاد من الإرث الفقهي أو الإيديولوجي العالق به لأنّه يرزح تحت ما يعتبره الفكر الإسلامي، منذ تأسيساته الأولى وحتّى تنظيراته المعاصرة، «البديهيات المطلقة» أو «المرجعيات الأساسية» (ونعني بها القرآن والسنّة)، على ما نقرأ مثلاً في لسان العرب لابن منظور: «والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود. وفي حديث معاذ: اجْتَهَدَ رَأْيَ الاجْتِهادِ؛ بذل الوسع في طلب الأَمر، وهو افتعال من الجهد الطاقة، والمراد به رد القضية التي تعرض للحاكم من طريق القياس إِلى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأْي الذي رآه من قبل نفسه من غير حمل على كتاب أو سنة».

 

 الاجتهاد، من هذا المنظور، هو مجرّد ترميم لبناءات أو تجميل لمعالم أو تأكيد على بداهات. إنّه الوسيط الذي «يترجم» لغة البداهات إلى لغة العوارض ويربط حركة المجتمع أو طفرات الحدث بسرمدية المرجعيات الثابتة، على غرار “العقل الفعّال” في التصوّر الفلسفي العريق بين العقول المستفادة (تحت فلك القمر) والعقول المفارقة والسرمدية. والملاحظ أنّ الإجتهاد يرتبط بعقل محصور هو “العقل الفقهي” و بمقاصد هي في رمّتها تشريعية.

 

الاجتهاد: عقل تداولي أم عِقال إيديولوجي؟

 

للاجتهاد «عقل تداولي أو براغماتي» كما يحاول الإجتهاديون التأكيد عليه قصد تجديد أو إصلاح الفكر الإسلامي لكي يواكب العصر مع الحفاظ على جوهره الديني أو الرمزي. زكي الميلاد يذهب إلى حدّ اعتبار «الاجتهاد» كمفهوم خاص بالثقافة الإسلامية يضاهي مفهوم «الحداثة» الغربية. لكنه يتجاهل أنّ الحداثة التي أرسى قواعدها القرن الثامن عشر الأوروبي على يدّ الأنوار الفرنسية أو الألمانية هي حداثة تفكّر في واقعها بذاتها دون وازع فوقي يملي عليها الشروط أو القيود. وهو ما نادى به إمانويل كانط عبر المفردة اللاتينية (Sapere Aude  ) و تعني «لتكن لك الشجاعة في استعمال عقلك». بمعنى الإستعمال الحرّ والوجيه والمشترك للعقل كما جاء في رسالة كانط «ما هي الأنوار؟». لا شكّ أنّ الاجتهاد هو «استعمال للعقل» لكنّه استعمال يتقيّد بمعايير تُملى عليه من الخارج. والعقل في الثقافة الإسلامية لم يَحِد عن طبيعته اللغوية، لأنّ العقل من «العِقال» وهو «القَيْد» لمنع الدوابّ من الشرود. فهو يتقيّد بالمبادئ كي لا يشرد أو يتيه في حربه ضدّ الهوى على ما نقرأ عند الحكيم الترمذي، ويسترشد بالمرجعيات الثابتة. لكن هناك من حاول أن يعتدّ بالمبادئ الذاتية للعقل كحساب أو تمرّن ذهني في مساءلة المعطيات أو المبادئ، بما فيها المرجعيات الأساسية، خصوصا في الفكر العربي المعاصر وهو دأب محمد أركون في محاولته من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي (  1991  ). فهو عقل عملي، يمارس «اجتهاده» بالقراءة والممارسة الفكرية، ويركّز «جهده» على ما هو معطى لحدوسه وحقوله النظرية، ويوجّه «جهاده» ضدّ الوثوقيات المقفلة أو اليقينيات المشِلََّة.

 

العبارة الغالبة اليوم “فتح باب الاجتهاد” لا مبرّر لها، لأنّ العقل «يجتهد» سواء فتحنا الأبواب أو قمنا بغلقها. وفكرة الباب هي استعارة تنمّ عن نمط في التفكير يسلّم «بنخبوية» الاجتهاد (الفقيه أو المتكلّم)، تحيطه «القداسة» (يقتني شرعيته من المرجعيات) ومسوّغه «السلطة» (مراقبة السلوكات ومدى تطابقها مع المرجعيات الدينية) حتى وإن كان يتغلّف بقناع «المعرفة» (بحوث أو قياسات أو اقتباسات). الأبواب تشير على “منازل الإقامة” أي المنزل الهويّاتي عندما يصبح “الاجتهاد” مجرّد تأكيد تكراري أو دوري (تحصيل الحاصل) على هوية (سياسية أو دينية أو فكرية أو رمزية) لا تزال توجّه الإرادات وتملي المبادئ و تسوس الخيارات.

 

الاجتهاد والمرجعيات: نحو “لادونية” تأويلية.

 

 الإجتهاد «بابل» وليس «باباً». فهو حصيلة إرادة في المعرفة أو رغبة في الفحص أو التقصّي، دافعه الفضول المعرفي وغرضه التواصل أو التداول من أجل توزيع عادل للمعارف وتفكير جماعي في الرهانات أو المصائر. فلا يمكن احتكار الاجتهاد أو غلق أبوابه سوى على سبيل النزوع السلطوي أو الإملاء القسري للتعاليم أو الشعائر. فالكلّ «مجتهد» تبعاً لدرجة فهمه أو استيعابه للحقائق أو النصوص، وتبعاً للاستعمالات الذكية في سياقات أو ظروف معيّنة. فالاجتهاد له الحقوق ذاتها التي تتمتّع بها مرجعياته مهما كانت طبيعتها (إنسانية أو طبيعية أو إلهية) تبعاً لما نسمّيه «اللادونية»: لأنّه لا مرجعيات بدون الاجتهاد الذي يبرزها أو يطبّقها في نطاقات محصورة دون أن يتطابق معها، ولا اجتهاد بدون المرجعيات التي تحفّزه على الاستطلاع أو الإستفهام. فكلاهما يتغذّى من الآخر وكلاهما يتوقّف على الآخر. فليس الاجتهاد باباً (مقفلاً أو موصداً) سوى من يدّعي أولوية المرجعيات على الممارسات الذهنية أو الفكرية، على غرار “سيف ديمقليس” على الضمير، وليس الاجتهاد بابلاً سوى عند من يرى فيه التفاعل الخلاّق مع المرجعيات التي يمنحها الحركة وإعادة القراءة والتأويل أو إمكانية النظر والتفعيل، بقدر ما تمنحه التصرّف أو التمرّن أو التمرّس. فليست المرجعيات هي التي تأسر الاجتهاد أو تجعل منه مجرّد صدى لصوتها أو ظلّ لهيكلها، وإنّما الإرادات الإيديولوجية أو الدينية في الهيمنة أو سياسة الحقيقة، لأنّ المرجعيات لا تحيا بدون الاجتهاد والاجتهاد لا يتحرّر بدون المرجعيات. كلاهما شرط إمكان الآخر، في ما يمكننا تسميته «بالاستدارة الإبستمولوجية».

 

إذا أمكن للمرجعيات (الثقافية، الدينية، إلخ) أن تبقى بمعزل عن الاجتهاد الفكري والتمرّس العقلي، هي لا تعدو أن تكون مجرّد قالب مفارق لا «معنى له في ذاته»، أي بمعزل عن تعيّناته الواقعية. لأنّه ما معنى اللغة إذا لم تُمارَس قراءةً وكتابةً وتفكيراً؟ إنّها مجرّد أبجديات فجّة وخالية من المعنى. تتبدّى قيمتها في ممارستها بالذات، أي في استعمالها تبعاً للظرف والسياق والحاجة. وما معنى الصولفيج الموسيقي إذا لم يتمّ تأديته تبعاً لنبرات خاصّة وذوق معيّن؟ إنّه مجرّد نوتات لا معنى لها في ذاتها. كذلك المرجعيات هي أبجديات ثقافية أو رمزية تتبدّى حقيقتها في استثمارها وإعادة قراءتها تبعاً للسياقات والحاجات. وكلّ قراءة هي آنية وحاضرة، أي في الحاضر بملابساته وتناقضاته.

 

فهي تستلزم بالضرورة التناقض والجدال والسجال إذا كانت قراءة معرفية ونقدية، وأيضاً العُنف والتمذهب والتبرير إذا أصبحت قراءة إيديولوجية. هذه الحركة في هذا الاتّجاه أو ذاك هي أساساً إزاحة في جسد المرجعيات المثقل بالنواميس والأعراف نحو سياقات خاصة، بالضرورة راهنة ومختلفة عن السياقات المتتابعة تاريخياً أو المتجاورة جغرافياً. من سياق لآخر ليس هناك نفس الإدراكات ولا نفس التمثّلات ولا حتّى نفس الاستعمالات. وبالتالي تستحيل المرجعيات في استعمالاتها المتعدّدة وفي إدراكاتها المتفاوتة. هذه الإزاحة هي من نشاط الاجتهاد، يحقّقها ويتحقّق منها، لأنّه يربط المرجعيات بتعيّناتها وواقعيتها، لكن بنمط مختلف وحسب استيعاب مغاير. نفس المرجعيات لا تدلّ على نفس الاستعمالات، لأنّ هناك أداءات مختلفة في ظروف متغيّرة وبأدوات متباينة.         

 

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article