[Ar] حوار مع الدكتور محمد شوقي الزين

Publié le par ZINE

حوار فلسفي مع الباحث الدكتور محمد شوقي الزين

 

 

أجرى الحوار نورالدين علوش - المغرب

 

* بداية نرحب بك على هذا الموقع

 

 

سيدي العزيز من هو الدكتور محمد شوقي الزين؟

شكرا سيدي الكريم على دعوتك لي بإجراء هذا الحوار. من الصعب أن يتحدث الكاتب عن نفسه. فقد يتأرجح هذا الحديث بين هجران الذات ليضع نفسه في وضعية لا يستحقها، ربما تواضعاً منه، وبين مدح الذات ليضع نفسه في وضعية عالية، ربما لم يرتقي إليها بعد. أن يتحدث الآخر عن الكاتب هو دليل الحصافة لأنها رؤية موضوعية نابعة من خارج الكاتب. مع ذلك سأحاول أن أتحدث عن نفسي كمن يكتب سيرة ذاتية. فأنا من مواليد وهران وزاولت دراستي في جامعتها وتحصلت على الليسانس في الفلسفة من هذه الجامعة. ثم زاولت الدراسات العليا في جامعة بروفونس بفرنسا حيث تحصلت على دبلوم الدراسات المعمقة، الواحد في الدراسات العربية والآخر في الفلسفة. بعدها توجهت نحو دراسة التصوف الإسلامي بالحصول على الدكتوراه حول ابن عربي، حيث صدرت الدراسة بالفرنسية في   480   صفحة عن منشورات الإختلاف والدار العربية للعلوم (الجزائر-بيروت،   2010  ). وبحكم تخصصي المزدوج (الدراسات العربية والفلسفة) أقوم حالياً بتدوين رسالة دكتوراه ثانية في الفلسفة حول ميشال دو سارتو الذي كانت قراءته في العرفان المسيحي دوراً حاسماً في قراءتي للتصوف الإسلامي بأدوات نقدية تستقي من شتى المعارف والعلوم والفنون. أشتغل الآن كباحث في معهد البحوث والدراسات العربية بجامعة بروفونس، ويقع عملي في ملتقى طرق بين الفكر الكلاسيكي والمعاصر من حيث الأزمنة، وبين الفكر العربي والغربي من حيث الهويات والأمكنة، وبين المناهج المتقاطعة (تأويلات، تفكيكات، تداوليات) من حيث الأساليب والقراءات. كانت لديّ في فرنسا علاقات مثمرة مع فلاسفة من كل حدب وصوب، حيث التقيت بالمفكر اللبناني علي حرب في باريس، ثم الفيلسوف جاك دريدا مرات عدة في آكس حيث أقيم، ثم في باريس لأحضر محاضراته، ثم في نيس خلال ملتقى دولي حول مستقبل العقل وصيرورة العقلانيات. ومؤخراً كان لقائي بالفيلسوف الأمريكي جيفري باراش أحد طلبة بول ريكور. كانت لهذه اللقاءات دفعاً جميلاً نحو المغامرة المعرفية والاستفادة من هؤلاء الأعلام في الفكر والفلسفة، وأتاحوا لي تشكيل تصوّر فلسفي أشتغل عليه الآن بأدواتي الخاصة ورؤيتي الذاتية.     

 

باعتبارك من الباحثين الشباب في الفكر الفلسفي ما هو رأيك في المشاريع الفلسفية المطروحة ( الجابري وأركون وطه عبد الرحمن..)؟

تتمتع مشاريع الجابري وأركون وطه عبد الرحمن وغيرهم بجدية في الطرح وبالعمق في الرؤية، وترتبط بمباحث مختلفة لها علاقة بالسياسي والديني والاجتماعي والمعرفي. هذه المشاريع هي «ضرورة» تاريخية وفكرية لأنها كانت ترتبط بإرادة التغيير على مستوى النظرية رغم الصعوبة والعائق في إجراء هذا التغيير على المستوى العملي، السياسي منه والاجتماعي. لا شكّ أنه كانت لهذه المشاريع منطلقات مختلفة ترتبط بخيارات نقدية: الجابري والعقل العربي، أركون والعقل الإسلامي، طه عبد الرحمن وفقه الفلسفة، حسن حنفي وفلسفة الثورة والتجديد، علي حرب ونقد النص، إلخ. لكن إذا كانت المنطلقات والحساسيات تختلف، فإنّ الأدوات والأهداف تتماثل، لأنّ المبتغى كان هو ممارسة القيمة النقدية (الأداة) في تجديد أو تغيير الفكر (الغاية). ولا شكّ أنّ هذه الإرادة في التغيير التي اصطدمت بواقعها المتصلّب، لم تذهب سدى بل أصبحت تؤتي أكلها من خلال مواصلة هذه المشاريع بمشاريع أخرى تشرحها أو تؤوّلها أو تنتقدها أو تبني عليها، ومن جرّاء الهزات التي يتعرّض إليها الواقع العربي على مستوى الوعي والإدراك والبنية والرؤية. لا شكّ أنّ التغيير العملي جاء من الإنسان العادي وليس من النخبة أو المثقف، وهذا شأن الثورة الفرنسية التي ساهم فيها فولتير وديدرو وروسو بالأفكار (إدراج الأفكار السياسية والاجتماعية للأنوار في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن) وساهم فيها الفرنسي العادي بالتمرّد والعصيان. كذلك عمل الجابري وأركون وطه عبد الرحمن بالكتابة الفلسفية والتاريخية والتقنية قصد تشكيل نظام في المعرفة يكون بمثابة دليل نظري في الأداء والتغيير، وبمثابة منهج فكري يسلكه فكرنا المعاصر. نعيب في الغالب أن الفكر العربي لا يتمتع بفلاسفة، بل أرى العكس، يشكل هؤلاء المفكرون نوعاً من الفلاسفة الذين قدموا منهجاً ورؤية وصيغة في التفكير، لكن ظل ما كتبوه قوالب نظرية لا تنطبق على الواقع العملي من جرّاء انحسار البُعد السياسي. فإذا كانت السياسة ضحية جماعات أو مصالح أو نظرة ضيّقة، فإن ما يكتبه المفكر أو الفيلسوف هو مجرّد تمنيات أو توصيات لا تُترجم إلى أساليب أو عمليات. لهذا السبب توقفت مشاريع هؤلاء الفلاسفة العرب بانحسار الواقع السياسي وحصره في جماعات أو عائلات أو عصبيات.  

 

المطلع على أعمالك يلاحظ تأثرك بالمفكر الفرنسي دريدا، لماذا؟

جاك دريدا هو حتماً «واحداً» ممن أثروا في توجهي الفكري وليس حتماً «الوحيد». لأن بجانب دريدا، كان لدي اهتمام بالفيلسوف الألماني هانس غادامير، فكانت ترجمتي «فلسفة التأويل» ثم كتاب «تأويلات وتفكيكات» كتأكيد على هذا الاهتمام المزدوج. وهناك أيضا ميشال فوكو الذي كتبت حوله محاولة بالفرنسية «في القبلي التاريخي الممكن إدراكه في الخطاب والتاريخ والراهن»، بالإضافة إلى دراسات أخرى حول مفكّرين عدّة. لكن ربما تأثير دريدا كان بدرجة كبيرة بحكم الصداقة التي جمعتني به من خلال التقائي به وتبادل الرسائل بيننا لعدة سنوات. عندما نتحدث عن دريدا، نستحضر على التوّ الأسلوب النقدي الذي يرتبط بفلسفته والمسمّى «التفكيك». لكن هذا مجرّد عنوان أو شعار. يتعدّى التفكيك مجرّد المنهج أو الرؤية، ليصبح أسلوباً. فهو لا يتحدّث بمنطق «المفاهيم»، ولكن بما يمكن تسميته «الأطياف». فما هو هذا الطيف الذي ليس مفهوماً ولا كلمة؟ فلا هو المفهوم الفلسفي ولا هو التعبير الأدبي، لكن حيّز بينهما، يتعدّى لطافة المفهوم وكثافة التعبير. التفكيك هو أسلوب طيفي يضفي الكثافة على المفاهيم التي تحوّلت تحت الوطأة الميتافيزيقية إلى مثاليات أو تجريدات، ويضفي اللطافة على الكلمات التي تحوّلت تحت الوطأة الواقعية إلى ماديات أو تصلّبات. نحكم في الغالب على التفكيك بقسوة لأننا ننطلق أساسا من أرضية مفهومية، برهانية، جدلية بينما الأسلوب الطيفي الذي يستند إليه التفكيك له بالأحرى أرضية مجازية، خيالية، سردية، والتي هي ليست بالضرورية أدبية كما يحلو للتصنيفات النمطية إجراؤه، لكن تقع على التخوم من المفهوم الفلسفي والقول الأدبي. هذا الأسلوب الطيفي لم يكن بطبيعة الحال حكراً على دريدا، لكن كان يشايعه في ذلك معظم فلاسفة ما بعد الحداثة مثل فوكو وليوتار وريتشارد رورتي. فهو أسلوب ليّن يحاول مجاوزة الصلابة المفهومية التي تتحوّل إلى سلطة عاتية أكثر منها معرفة مركبة، والكثافة الصورية التي يتمتع بها النص الأدبي. التفكيك هو بالأحرى كتابة «برزخية»، بينية، بيانية، لا تتصلّب في قوالب إستراتيجية ولكن تلين في عمليات تكتيكية.     

 

أنت تكتب بالعربية والفرنسية لكن كتاباتك بالعربية قليلة، ما هو السبب؟

ليس من السهل التوفيق في الكتابة. إذ أكتب باللغتين العربية والفرنسية حسب طبيعة الموضوع. أحاول قدر الإمكان التوفيق بين اللغتين، ليس فقط على سبيل الكتابة، ولكن أيضا على صعيد الترجمة. إذ أترجم من الفرنسية إلى العربية وعكسه. لكن في السنوات الأخيرة، هناك بالأحرى كتابة مكثفة بالعربية كما تشهد على ذلك كتبي مثل «تأويلات وتفكيكات» و«الإزاحة والاحتمال» و«سياسات العقل»، وقريباً دراسة واسعة حول ميشال دو سارتو في ميدان الطرح التداولي في الممارسات اليومية والثقافية والنظرية. واهتمامي بالكتابة باللغة العربية الآن هو محاولة منّي، في نطاقي وحسب أدواتي، بإعطاء هذه اللغة نَفَساً مفهومياً، وليست المسألة بالسهلة. لأنّ الصناعة المفهومية تتطلب أدوات لا نستقيها فقط من المعقوليات المختلفة (الغربية مثلاً) ولكن أن نقوم بتشكيلها انطلاقاً من المادة الخام للغتنا، وهنا تكمن الصعوبة، لأنها مسألة ممارسة ومثابرة وخبرة وعناد في المضي قدماً نحو القراءة الفاعلة، التشكيلية، الصناعية، التأويلية، وليس القراءة المنفعلة، التفسيرية، التوضيحية، التبريرية. من جانب آخر، تتواجد اللغة في ما أسميه «الإحاطة الاجتماعية»، إذ وجود اللغة في هذه الإحاطة هو الذي يمنحها نظام اشتغالها. فإذا كانت هذه الإحاطة مرنة، مفتوحة، متغيّرة فإنّ اللغة تتجدّد وتبتكر، وإذا كانت هذه الإحاطة متحجّرة، مغلقة، قسرية لاعتبارات تاريخية أو سياسية، فإنّ اللغة تتصلّب وتتوقف عن الإنتاج والصناعة، وهو ما ينطبق على واقعنا، ولكن بدأ هذا الواقع في التغيّر والانتقال إلى مستويات جديدة، بفضل الثورات العربية لنقل الإحاطة من منغلقها السياسي والتاريخي إلى منفتحها العملي والراهني، وهو منعطف جدير بالاهتمام، لأنّه سيدفع لغتنا إلى التجدّد من جرّاء الاهتزاز في الإحاطة التي تنعكس فعلياً على الوجود الاجتماعي والسياسي والثقافي.   

 

لماذا نجدك تهتم في ترجماتك فقط بالمفكر اللبناني علي حرب؟

كانت لديّ في فترة معيّنة من تكويني الجامعي والفكري علاقة بكتابات علي حرب التي وجدتها بحق «كتابة طيفية» بالمعنى الذي أشرت إليه سابقاً. فهي مفهومية وسردية أو بصيغة تتعدّى المفهوم والسرد معاً نحو أسلوب فريد، مرن، مجازي. كما تتمتع هذه الكتابات بالقوّة النظرية والبراعة التحليلية والتركيبية. لماذا علي حرب بالذات؟ خلافاً للمفكرين العرب الذين كانت لهم بالأحرى كتابة مفهومية وبرهانية، فإنّ لعلي حرب كتابة سردية وبيانية لا تخلو من رؤية فلسفية واجتماعية، وتتحاشى الوقوع في الصرامة النسقية (ابستمولوجية، منهجية، نمطية) التي تتصلّب وتضحى هياكل فجّة أو قوالب جافّة. يتمتع الأسلوب لدى علي حرب بالسيولة في الرؤية والعبارة، فهو بذلك يواكب الوقائع ويحيا الأحداث. فالملاحظ أنّه لا تمر سنة دون صدور كتاب أو أكثر لعلي حرب في شكل مقالات أو تأمّلات أو محاضرات. لأنّ هذا الأسلوب يسير في المدينة ويتمفصل بالحداثة وبما بعد الحداثة ويتقمّص الحدث الذي يكتب عنه وفيه. وهذا يفسّر اهتمامي بكتابات المفكّر اللبناني التي هي بمثابة بيان فلسفي في الخروج من القصور النظري والعجز الفكري والثقافي. ولا يتأتّى ذلك بالانغلاق في الصروح الأكاديمية أو الاستراتيجيات التقنية والمفهومية، ولكن النزول إلى الواقع كما تعبّر عنه المدينة والممارسات العادية والاستعمالات اليومية للكتابة والثقافة والحاضرة والتكنولوجيات الحديثة، أي بممارسة تكتيكات سردية وطيفية ومجازية قادرة على المواكبة والتجدّد والمراجعة والتفكيك ونقد النقد. هذا لا يعني أنّ اهتمامي هو حصري، لوجود اهتمام موازي لما كتبه محمد أركون ونصر حامد أبو زيد ومحمد أحمد البنكي. يتعلّق الأمر باهتمام نقدي بالبناء على ما تركه هؤلاء المفكرون من تقاليد فكرية وأعمال نظرية.      

 

الكثير من المفكرين العرب يهتمون بفلاسفة الاختلاف. أين موقع فلاسفة الحداثة في المشهد الفلسفي العربي أمثال هابرماس؟

أورد في هذا المقام ما كتبه مثلا الدكتور عمر مهيبل من جامعة الجزائر عن هابرماس وآبل ومدرسة فرانكفورت. وهناك العديد من الباحثين الذين آثروا الاهتمام بفلاسفة الحداثة وليس فقط بفلاسفة الاختلاف. ربما الفرق بين فلاسفة الاختلاف وفلاسفة الحداثة يعكس نمطين من التفكير يتمتّعان بإدراكين مختلفين: يتعلّق الأمر بالفكر الفرنسي ذي التوجّه النسبوي والإبستمولوجي والتشكيكي، والفكر الألماني ذي النزوع الجمالي والنقدي والتاريخي. هذا يفسّر لماذا الكتابة عن فلاسفة الاختلاف تراعي هذه البنيات الفكرية القائمة على الشك والمعرفة والحقيقة، وكيف أنّ الكتابة عن فلاسفة الحداثة تنتبه إلى الهياكل النظرية القائمة على النقد والتاريخ والفنّ. لكن لا يمكن البقاء في هذين الإدراكين بشكل متصلّب أو متشدّد، ولكن الأخذ من حقولهما قضايا مثمرة وأرضيات خصبة للبناء عليها. فلا يتعلّق الأمر بانتماءات أو هويات ولكن بتركيبات واستعمالات. أي ينبغي إعادة امتلاك المفاهيم ونقلها من أرضيتها التي نشأت فيها إلى الأقاليم التي ترحل إليها، دون أن يعني ذلك إسقاط قيم برّانية أو تطبيق بنيات عقلية أو نظرية أجنبية. لا يحمل المفهوم في جسده جنسيته أو هويته أو انتماءه، ولكن فقط قدرته أو عدم قدرته على إثارة الفكر أو الدفع نحو الصناعة الفكرية والابتكار النظري والعملي. لهذا السبب ليس الاهتمام بفلاسفة الاختلاف أو فلاسفة الحداثة هو الاهتمام بجغرافيا أو انتماء أو هوية، ولكن بما يمكن أن تثيره النصوص (الحداثية أو الاختلافية) في ذواتنا وفي سياقنا من تساؤلات أو سجالات أو تأمّلات، لأنّه لا يمكن التحرّك فكرياً ونظرياً سوى بوجود دافع أو محفّز، وهو ما أنعته بمصطلح «اللادونية» أي لا يمكن الكتابة أو التفكير دون «غيرية» (هنا فلسفات الاختلاف أو الحداثة) تحفّزنا وندخل معها في حوار أو سجال، وهي لنا بمثابة المقابل أو الضرورة الوجودية والنظرية.   

 

هناك من ينظر بعين الريبة إلى فلاسفة ما بعد الحداثة في الوطن العربي على اعتبار أننا لم نصل بعد إلى الحداثة لذا وجب التركيز على قيم العقل والتقدم والتنوير؟

لا يوجد في الحقيقة مسار خطّي ننتقل بموجبه من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. التمييز بين الحداثة وما بعد الحداثة هو تمييز نظري بحت، وهو تصنيف لغاية إبستمولوجية. لكن على صعيد الواقع يمكن العيش في نظامين مختلفين في الحيّز نفسه وسأعطي بعض الأمثلة. لكن ينبغي قبل ذلك معرفة ما نقصده بالحداثة وما بعد الحداثة، ولماذا هذه الريبة التي هي في نظري مجرّد فوبيا الخوف من الجديد، والعالم لا ينفك عن التجدّد في كل لحظة بنا أو بغيرنا، بمصادقتنا أو على الرغم منّا. صحيح قيم الحداثة هي العقل والتقدّم والتنوير التي ميّزت بشكل بارز الأنوار كعصر تاريخي وكعصارة فكرية، وتعدّت الفضاء الأوروبي نحو مجتمعات أخرى أحدثت فيها بعض الانقلابات أو التغييرات الجذرية أو السطحية كما هو الحال مع المجتمعات التقليدية. لكن ينبغي التركيز الآن على أنّ الحداثة مبنية على نظام «الزمان» (التاريخ، التطوّر، التقدّم ) بينما ما بعد الحداثة مبنية على نظام «المكان» (المدينة، السرعة، التجاور). وبما أنّه لا يمكن فصل الزمان عن المكان، فلا يمكن الفصل، واقعياً، بين الحداثة وما بعد الحداثة. يمكن مثلاً الوقوف على الزمان الحضاري في المكان المابعد الحداثي كما تعبّر عنه هندسة المتحف العصرية الجامعة لأشياء قديمة. ولا شكّ أنّ القيم المابعد الحداثية التي تميّز المدن العالمية الكبرى، لا تنفك عنها أيضاً مدننا في ما يخصّ الإعلان والإشهار والسرعة والأمكنة العمومية واستعمال التكنولوجيات الحديثة والافتراضية. المشكل الممكن علاجه في هذا الشأن وفي ما يخص العلاقة بالحداثة أو ما بعد الحداثة، هو مشكل البنيات العقلية المناهضة للجديد أو القابلة له. وبنياتنا العقلية في نطاقنا العربي الإسلامي هي قائمة على الانتقاء وليس المشاركة، أي أننا نختار ما يناسب وعينا بالأشياء وحسب تركيبتنا التاريخية والرمزية مثل الإقدام على استعمال التكنولوجيات الحديثة من حواسيب وهواتف جوّالة والأنترنيت، وعدم الأخذ بالأساليب الديمقراطية وأشكال الحكم السياسي الأكثر مرونة والأقلّ قمعاً أو تشدّداً. تلك هي إذن المشكلة: هي قدرتنا أو عدم قدرتنا على صناعة الحداثة، لأنّ الحداثة ليست جاهزة وتختلف حسب الأمزجة والقوابل، بل يمكن استيعابها وأقلمتها إذا أردنا فعلاً المشاركة وليس البقاء على الهامش في وضعية المتفرّج أو المستهلك أو المنفعل. ولعل من أبرز أجه ما بعد الحداثة هو التكنولوجيات الجديدة في الإتصال واستعمالنا للعالم السبراني (الشبكة). فلا يمكن هجران هذه التكنولوجيات بحجة أننا لم نصنع حداثتنا، وترانا كل يوم نستعمل الأنترنيت والهاتف الجوال ووسائل معاصرة في الإتصال والتواصل. إن العصر الذي نحياه قد نقض المسافة بين الأمكنة والأزمنة، وبالتالي لا يمكن تشكيل الحداثة بدون صنوها المصاحب لها وهو ما بعد الحداثة. بل، بالعكس، تتقاطع الحداثة وما بعد الحداثة من خلال مقاربة التقدم والحرية والعقل والتنوير بأساليب ما بعد حداثية. وهل كان بالإمكان للشعبين التونسي والمصري، مثلاً، أن يصنعا حريتهما وعقلهما السياسي وتنويرهما الفردي والجماعي دون اللجوء إلى الشبكات الإجتماعية على الأنترنيت مثل فيسبوك وتويتر؟  

 

سيدي المحترم باعتبارك من الباحثين المغاربيين ما هو رأيك في العلاقة الثقافية بين المشرق والمغرب؟

هناك إنتاج فكري مشهود في الفضاء المغاربي بدأ فعلياً في المغرب مع جهود الراحل محمد عابد الجابري وعبد الله العروي وطه عبد الرحمن وطلبتهم الذين هم من المفكّرين البارعين أمثال سالم يفوت وعبد السلام بنبعد العالي وكمال عبد اللطيف وفريد الزاهي وغيرهم، ثمّ توسّع الاهتمام الفكري والفلسفي والاجتماعي والنقدي في تونس مع أبي يعرب المرزوقي وفتحي المسكيني وفتحي التريكي، وفي الجزائر مع عمر مهيبل والزواوي بغورة وعمارة الناصر وأحمد دلباني وعبد الرزاق بلعقروز ومحمد جديدي وعبد الغني بارة وعبد القادر بودومة من الباحثين الشباب الناشطين تدريساً وتدويناً. لقد تعوّدنا على التشاؤم والحديث عن الفكر العربي المعاصر بمنطق الأزمة والتعثّر، بينما ما ينتجه هذا الفكر هو في غاية الكثافة التقنية والمضامين النظرية، يشبه إلى حدّ كبير الأنوار الفرنسية السابقة على الثورة الفرنسية. إذ في نطاق مئة سنة قامت الأنوار الفرنسية بالتغيير على مستوى النظرية مع مشروع الأنسيكلوبيديا عند ديدرو ودالمبير، ومع فولتير وجان جاك روسو ومونتيسكيو، والتغيير في الواقع لم يأت سوى بالثورة الفرنسية التي أسّست لسياسة فكرية وعملية مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن. ما نحياه على الصعيد العربي يشبه إلى حد بعيد وتبعاً لسياق مختلف إلى مع وقع في الأنوار الفرنسية. إذ قامت الأنوار العربية لمدة أكثر من مئة سنة بالتغيير على مستوى النظرية من محمد عبده إلى علي حرب مروراً بالكواكبي ومحمد إقبال وأنطوان سعادة وشبلي شميّل وطه حسين والجابري وحسن حنفي وأركون ونصر حامد أبو زيد وبرهان غليون. لكن التغيير على المستوى العملي ظل متعثّراً من جراء التصلّب على المستوى السياسي والتنظيمي، والذي بدأ في التصدّع من جرّاء الثورات العربية.

ولقد أظهر التغيير على مستوى النظرية العلاقة المركّبة والمثمرة بين المشرق والمغرب، لكن بحساسيات مختلفة. إذ نجد في نمط الكتابة المغاربية نزوع نحو التمييز المعرفي الابستمولوجي لعاملين أحدهما داخلي وتاريخي وهو الإرث الرشدي، والآخر خارجي وجغرافي وهو الوزن الفكري الفرنسي من خلال نماذج باشلار وفوكو ودولوز ودريدا التي اغترف منها فكرنا المغاربي. بينما نجد في نمط الكتابة المشرقية نزوع نحو السؤال السياسي والجمالي ويرتبط لظروف تاريخية بالحضور البريطاني في المشرق، والعلاقة المكثفة باللغة الإنجليزية ونمط التفكير البراغماتي والواقعي. لا شكّ أن هذا التقسيم هو مجرّد تصنيف نمطي لأنّ في ما وراء الإرث التاريخي والعلاقة بالآخر، للفكر العربي في المشرق والمغرب اهتمام مشترك ينصبّ على الوضع السياسي والثقافي، وعلى قراءة التراث النظري عبر النصوص والآثار. فهناك إرادة في قراءة الماضي لمحاولة إيجاد حلول للحاضر، حتى وإن لم ترتق هذه القراءة بعد إلى التنظير الفلسفي، أي بتأسيس نظرية فلسفية تخص فكرنا التاريخي والثقافي، ربما لنقص أدوات الصناعة النظرية، ولعدم قدرة اللغة العربية الخروج من مأزقها التاريخي الذي نقل بها من الإنتاج الفلسفي إلى الاجترار الفقهي. هناك بلا شك محاولات تنظيرية مع الجابري وأركون وطه عبد الرحمن في ما أسميه «معقولية اللغة في صناعة الواقعة الفلسفية»، لكن لم ترتق هذه المحاولات إلى نظرية إذا عنينا بالنظرية نظام من الفكر يتمتع بأدوات مفهومية تساير رؤية فلسفية أو اجتماعية أو سياسية. لكن هذه الصناعة هي آيلة في التشكّل يفرضه علينا منطق الحدث العربي بمفاجآته وتفكيكاته وتركيباته. لا بدّ أن يؤول هذا الحدث إلى صناعة نظرية وترتبط هذه "اللابدية" بالتغيّر في المشهد العربي بأساليب جديدة، وتعرّض الصفائح الفكرية والسياسية إلى اهتزازات "تكتونية" بالمعنى الذي أشرت إليه في «الإزاحة والاحتمال».     

 

 

Commenter cet article