Partager l'article ! [Ar] حوار مع الدكتور محمد شوقي الزين: حوار فلسفي مع الباحث الدكتور محمد شوقي الزين ...
مُدَوَّنَة الدُكْتور مُحَمَّد شَوْقي الزين
حوار فلسفي مع الباحث الدكتور محمد شوقي الزين
أجرى الحوار نورالدين علوش - المغرب
* بداية نرحب بك على هذا الموقع
سيدي العزيز من هو الدكتور محمد شوقي الزين؟
شكرا سيدي الكريم على دعوتك لي بإجراء هذا الحوار. من الصعب أن يتحدث الكاتب عن نفسه. فقد يتأرجح هذا الحديث بين هجران الذات ليضع نفسه في وضعية لا يستحقها، ربما تواضعاً منه، وبين مدح الذات ليضع نفسه في وضعية عالية، ربما لم يرتقي إليها بعد. أن يتحدث الآخر عن الكاتب هو دليل الحصافة لأنها رؤية موضوعية نابعة من خارج الكاتب. مع ذلك سأحاول أن أتحدث عن نفسي كمن يكتب سيرة ذاتية. فأنا من مواليد وهران وزاولت دراستي في جامعتها وتحصلت على الليسانس في الفلسفة من هذه الجامعة. ثم زاولت الدراسات العليا في جامعة بروفونس بفرنسا حيث تحصلت على دبلوم الدراسات المعمقة، الواحد في الدراسات العربية والآخر في الفلسفة. بعدها توجهت نحو دراسة التصوف الإسلامي بالحصول على الدكتوراه حول ابن عربي، حيث صدرت الدراسة بالفرنسية في 480 صفحة عن منشورات الإختلاف والدار العربية للعلوم (الجزائر-بيروت، 2010 ). وبحكم تخصصي المزدوج (الدراسات العربية والفلسفة) أقوم حالياً بتدوين رسالة دكتوراه ثانية في الفلسفة حول ميشال دو سارتو الذي كانت قراءته في العرفان المسيحي دوراً حاسماً في قراءتي للتصوف الإسلامي بأدوات نقدية تستقي من شتى المعارف والعلوم والفنون. أشتغل الآن كباحث في معهد البحوث والدراسات العربية بجامعة بروفونس، ويقع عملي في ملتقى طرق بين الفكر الكلاسيكي والمعاصر من حيث الأزمنة، وبين الفكر العربي والغربي من حيث الهويات والأمكنة، وبين المناهج المتقاطعة (تأويلات، تفكيكات، تداوليات) من حيث الأساليب والقراءات. كانت لديّ في فرنسا علاقات مثمرة مع فلاسفة من كل حدب وصوب، حيث التقيت بالمفكر اللبناني علي حرب في باريس، ثم الفيلسوف جاك دريدا مرات عدة في آكس حيث أقيم، ثم في باريس لأحضر محاضراته، ثم في نيس خلال ملتقى دولي حول مستقبل العقل وصيرورة العقلانيات. ومؤخراً كان لقائي بالفيلسوف الأمريكي جيفري باراش أحد طلبة بول ريكور. كانت لهذه اللقاءات دفعاً جميلاً نحو المغامرة المعرفية والاستفادة من هؤلاء الأعلام في الفكر والفلسفة، وأتاحوا لي تشكيل تصوّر فلسفي أشتغل عليه الآن بأدواتي الخاصة ورؤيتي الذاتية.
باعتبارك من الباحثين الشباب في الفكر الفلسفي ما هو رأيك في المشاريع الفلسفية المطروحة ( الجابري وأركون وطه عبد الرحمن..)؟
تتمتع مشاريع الجابري وأركون وطه عبد الرحمن وغيرهم بجدية في الطرح وبالعمق في الرؤية، وترتبط بمباحث مختلفة لها علاقة بالسياسي والديني والاجتماعي والمعرفي. هذه المشاريع هي «ضرورة» تاريخية وفكرية لأنها كانت ترتبط بإرادة التغيير على مستوى النظرية رغم الصعوبة والعائق في إجراء هذا التغيير على المستوى العملي، السياسي منه والاجتماعي. لا شكّ أنه كانت لهذه المشاريع منطلقات مختلفة ترتبط بخيارات نقدية: الجابري والعقل العربي، أركون والعقل الإسلامي، طه عبد الرحمن وفقه الفلسفة، حسن حنفي وفلسفة الثورة والتجديد، علي حرب ونقد النص، إلخ. لكن إذا كانت المنطلقات والحساسيات تختلف، فإنّ الأدوات والأهداف تتماثل، لأنّ المبتغى كان هو ممارسة القيمة النقدية (الأداة) في تجديد أو تغيير الفكر (الغاية). ولا شكّ أنّ هذه الإرادة في التغيير التي اصطدمت بواقعها المتصلّب، لم تذهب سدى بل أصبحت تؤتي أكلها من خلال مواصلة هذه المشاريع بمشاريع أخرى تشرحها أو تؤوّلها أو تنتقدها أو تبني عليها، ومن جرّاء الهزات التي يتعرّض إليها الواقع العربي على مستوى الوعي والإدراك والبنية والرؤية. لا شكّ أنّ التغيير العملي جاء من الإنسان العادي وليس من النخبة أو المثقف، وهذا شأن الثورة الفرنسية التي ساهم فيها فولتير وديدرو وروسو بالأفكار (إدراج الأفكار السياسية والاجتماعية للأنوار في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن) وساهم فيها الفرنسي العادي بالتمرّد والعصيان. كذلك عمل الجابري وأركون وطه عبد الرحمن بالكتابة الفلسفية والتاريخية والتقنية قصد تشكيل نظام في المعرفة يكون بمثابة دليل نظري في الأداء والتغيير، وبمثابة منهج فكري يسلكه فكرنا المعاصر. نعيب في الغالب أن الفكر العربي لا يتمتع بفلاسفة، بل أرى العكس، يشكل هؤلاء المفكرون نوعاً من الفلاسفة الذين قدموا منهجاً ورؤية وصيغة في التفكير، لكن ظل ما كتبوه قوالب نظرية لا تنطبق على الواقع العملي من جرّاء انحسار البُعد السياسي. فإذا كانت السياسة ضحية جماعات أو مصالح أو نظرة ضيّقة، فإن ما يكتبه المفكر أو الفيلسوف هو مجرّد تمنيات أو توصيات لا تُترجم إلى أساليب أو عمليات. لهذا السبب توقفت مشاريع هؤلاء الفلاسفة العرب بانحسار الواقع السياسي وحصره في جماعات أو عائلات أو عصبيات.
المطلع على أعمالك يلاحظ تأثرك بالمفكر الفرنسي دريدا، لماذا؟
جاك دريدا هو حتماً «واحداً» ممن أثروا في توجهي الفكري وليس حتماً «الوحيد». لأن بجانب دريدا، كان لدي اهتمام بالفيلسوف الألماني هانس غادامير، فكانت ترجمتي «فلسفة التأويل» ثم كتاب «تأويلات وتفكيكات» كتأكيد على هذا الاهتمام المزدوج. وهناك أيضا ميشال فوكو الذي كتبت حوله محاولة بالفرنسية «في القبلي التاريخي الممكن إدراكه في الخطاب والتاريخ والراهن»، بالإضافة إلى دراسات أخرى حول مفكّرين عدّة. لكن ربما تأثير دريدا كان بدرجة كبيرة بحكم الصداقة التي جمعتني به من خلال التقائي به وتبادل الرسائل بيننا لعدة سنوات. عندما نتحدث عن دريدا، نستحضر على التوّ الأسلوب النقدي الذي يرتبط بفلسفته والمسمّى «التفكيك». لكن هذا مجرّد عنوان أو شعار. يتعدّى التفكيك مجرّد المنهج أو الرؤية، ليصبح أسلوباً. فهو لا يتحدّث بمنطق «المفاهيم»، ولكن بما يمكن تسميته «الأطياف». فما هو هذا الطيف الذي ليس مفهوماً ولا كلمة؟ فلا هو المفهوم الفلسفي ولا هو التعبير الأدبي، لكن حيّز بينهما، يتعدّى لطافة المفهوم وكثافة التعبير. التفكيك هو أسلوب طيفي يضفي الكثافة على المفاهيم التي تحوّلت تحت الوطأة الميتافيزيقية إلى مثاليات أو تجريدات، ويضفي اللطافة على الكلمات التي تحوّلت تحت الوطأة الواقعية إلى ماديات أو تصلّبات. نحكم في الغالب على التفكيك بقسوة لأننا ننطلق أساسا من أرضية مفهومية، برهانية، جدلية بينما الأسلوب الطيفي الذي يستند إليه التفكيك له بالأحرى أرضية مجازية، خيالية، سردية، والتي هي ليست بالضرورية أدبية كما يحلو للتصنيفات النمطية إجراؤه، لكن تقع على التخوم من المفهوم الفلسفي والقول الأدبي. هذا الأسلوب الطيفي لم يكن بطبيعة الحال حكراً على دريدا، لكن كان يشايعه في ذلك معظم فلاسفة ما بعد الحداثة مثل فوكو وليوتار وريتشارد رورتي. فهو أسلوب ليّن يحاول مجاوزة الصلابة المفهومية التي تتحوّل إلى سلطة عاتية أكثر منها معرفة مركبة، والكثافة الصورية التي يتمتع بها النص الأدبي. التفكيك هو بالأحرى كتابة «برزخية»، بينية، بيانية، لا تتصلّب في قوالب إستراتيجية ولكن تلين في عمليات تكتيكية.
أنت تكتب بالعربية والفرنسية لكن كتاباتك بالعربية قليلة، ما هو السبب؟
ليس من السهل التوفيق في الكتابة. إذ أكتب باللغتين العربية والفرنسية حسب طبيعة الموضوع. أحاول قدر الإمكان التوفيق بين اللغتين، ليس فقط على سبيل الكتابة، ولكن أيضا على صعيد الترجمة. إذ أترجم من الفرنسية إلى العربية وعكسه. لكن في السنوات الأخيرة، هناك بالأحرى كتابة مكثفة بالعربية كما تشهد على ذلك كتبي مثل «تأويلات وتفكيكات» و«الإزاحة والاحتمال» و«سياسات العقل»، وقريباً دراسة واسعة حول ميشال دو سارتو في ميدان الطرح التداولي في الممارسات اليومية والثقافية والنظرية. واهتمامي بالكتابة باللغة العربية الآن هو محاولة منّي، في نطاقي وحسب أدواتي، بإعطاء هذه اللغة نَفَساً مفهومياً، وليست المسألة بالسهلة. لأنّ الصناعة المفهومية تتطلب أدوات لا نستقيها فقط من المعقوليات المختلفة (الغربية مثلاً) ولكن أن نقوم بتشكيلها انطلاقاً من المادة الخام للغتنا، وهنا تكمن الصعوبة، لأنها مسألة ممارسة ومثابرة وخبرة وعناد في المضي قدماً نحو القراءة الفاعلة، التشكيلية، الصناعية، التأويلية، وليس القراءة المنفعلة، التفسيرية، التوضيحية، التبريرية. من جانب آخر، تتواجد اللغة في ما أسميه «الإحاطة الاجتماعية»، إذ وجود اللغة في هذه الإحاطة هو الذي يمنحها نظام اشتغالها. فإذا كانت هذه الإحاطة مرنة، مفتوحة، متغيّرة فإنّ اللغة تتجدّد وتبتكر، وإذا كانت هذه الإحاطة متحجّرة، مغلقة، قسرية لاعتبارات تاريخية أو سياسية، فإنّ اللغة تتصلّب وتتوقف عن الإنتاج والصناعة، وهو ما ينطبق على واقعنا، ولكن بدأ هذا الواقع في التغيّر والانتقال إلى مستويات جديدة، بفضل الثورات العربية لنقل الإحاطة من منغلقها السياسي والتاريخي إلى منفتحها العملي والراهني، وهو منعطف جدير بالاهتمام، لأنّه سيدفع لغتنا إلى التجدّد من جرّاء الاهتزاز في الإحاطة التي تنعكس فعلياً على الوجود الاجتماعي والسياسي والثقافي.
لماذا نجدك تهتم في ترجماتك فقط بالمفكر اللبناني علي حرب؟
كانت لديّ في فترة معيّنة من تكويني الجامعي والفكري علاقة بكتابات علي حرب التي وجدتها بحق «كتابة طيفية» بالمعنى الذي أشرت إليه سابقاً. فهي مفهومية وسردية أو بصيغة تتعدّى المفهوم والسرد معاً نحو أسلوب فريد، مرن، مجازي. كما تتمتع هذه الكتابات بالقوّة النظرية والبراعة التحليلية والتركيبية. لماذا علي حرب بالذات؟ خلافاً للمفكرين العرب الذين كانت لهم بالأحرى كتابة مفهومية وبرهانية، فإنّ لعلي حرب كتابة سردية وبيانية لا تخلو من رؤية فلسفية واجتماعية، وتتحاشى الوقوع في الصرامة النسقية (ابستمولوجية، منهجية، نمطية) التي تتصلّب وتضحى هياكل فجّة أو قوالب جافّة. يتمتع الأسلوب لدى علي حرب بالسيولة في الرؤية والعبارة، فهو بذلك يواكب الوقائع ويحيا الأحداث. فالملاحظ أنّه لا تمر سنة دون صدور كتاب أو أكثر لعلي حرب في شكل مقالات أو تأمّلات أو محاضرات. لأنّ هذا الأسلوب يسير في المدينة ويتمفصل بالحداثة وبما بعد الحداثة ويتقمّص الحدث الذي يكتب عنه وفيه. وهذا يفسّر اهتمامي بكتابات المفكّر اللبناني التي هي بمثابة بيان فلسفي في الخروج من القصور النظري والعجز الفكري والثقافي. ولا يتأتّى ذلك بالانغلاق في الصروح الأكاديمية أو الاستراتيجيات التقنية والمفهومية، ولكن النزول إلى الواقع كما تعبّر عنه المدينة والممارسات العادية والاستعمالات اليومية للكتابة والثقافة والحاضرة والتكنولوجيات الحديثة، أي بممارسة تكتيكات سردية وطيفية ومجازية قادرة على المواكبة والتجدّد والمراجعة والتفكيك ونقد النقد. هذا لا يعني أنّ اهتمامي هو حصري، لوجود اهتمام موازي لما كتبه محمد أركون ونصر حامد أبو زيد ومحمد أحمد البنكي. يتعلّق الأمر باهتمام نقدي بالبناء على ما تركه هؤلاء المفكرون من تقاليد فكرية وأعمال نظرية.
الكثير من المفكرين العرب يهتمون بفلاسفة الاختلاف. أين موقع فلاسفة الحداثة في المشهد الفلسفي العربي أمثال هابرماس؟
أورد في هذا المقام ما كتبه مثلا الدكتور عمر مهيبل من جامعة الجزائر عن هابرماس وآبل ومدرسة فرانكفورت. وهناك العديد من الباحثين الذين آثروا الاهتمام بفلاسفة الحداثة وليس فقط بفلاسفة الاختلاف. ربما الفرق بين فلاسفة الاختلاف وفلاسفة الحداثة يعكس نمطين من التفكير يتمتّعان بإدراكين مختلفين: يتعلّق الأمر بالفكر الفرنسي ذي التوجّه النسبوي والإبستمولوجي والتشكيكي، والفكر الألماني ذي النزوع الجمالي والنقدي والتاريخي. هذا يفسّر لماذا الكتابة عن فلاسفة الاختلاف تراعي هذه البنيات الفكرية القائمة على الشك والمعرفة والحقيقة، وكيف أنّ الكتابة عن فلاسفة الحداثة تنتبه إلى الهياكل النظرية القائمة على النقد والتاريخ والفنّ. لكن لا يمكن البقاء في هذين الإدراكين بشكل متصلّب أو متشدّد، ولكن الأخذ من حقولهما قضايا مثمرة وأرضيات خصبة للبناء عليها. فلا يتعلّق الأمر بانتماءات أو هويات ولكن بتركيبات واستعمالات. أي ينبغي إعادة امتلاك المفاهيم ونقلها من أرضيتها التي نشأت فيها إلى الأقاليم التي ترحل إليها، دون أن يعني ذلك إسقاط قيم برّانية أو تطبيق بنيات عقلية أو نظرية أجنبية. لا يحمل المفهوم في جسده جنسيته أو هويته أو انتماءه، ولكن فقط قدرته أو عدم قدرته على إثارة الفكر أو الدفع نحو الصناعة الفكرية والابتكار النظري والعملي. لهذا السبب ليس الاهتمام بفلاسفة الاختلاف أو فلاسفة الحداثة هو الاهتمام بجغرافيا أو انتماء أو هوية، ولكن بما يمكن أن تثيره النصوص (الحداثية أو الاختلافية) في ذواتنا وفي سياقنا من تساؤلات أو سجالات أو تأمّلات، لأنّه لا يمكن التحرّك فكرياً ونظرياً سوى بوجود دافع أو محفّز، وهو ما أنعته بمصطلح «اللادونية» أي لا يمكن الكتابة أو التفكير دون «غيرية» (هنا فلسفات الاختلاف أو الحداثة) تحفّزنا وندخل معها في حوار أو سجال، وهي لنا بمثابة المقابل أو الضرورة الوجودية والنظرية.
هناك من ينظر بعين الريبة إلى فلاسفة ما بعد الحداثة في الوطن العربي على اعتبار أننا لم نصل بعد إلى الحداثة لذا وجب التركيز على قيم العقل والتقدم والتنوير؟
لا يوجد في الحقيقة مسار خطّي ننتقل بموجبه من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. التمييز بين الحداثة وما بعد الحداثة هو تمييز نظري بحت، وهو تصنيف لغاية إبستمولوجية. لكن على صعيد الواقع يمكن العيش في نظامين مختلفين في الحيّز نفسه وسأعطي بعض الأمثلة. لكن ينبغي قبل ذلك معرفة ما نقصده بالحداثة وما بعد الحداثة، ولماذا هذه الريبة التي هي في نظري مجرّد فوبيا الخوف من الجديد، والعالم لا ينفك عن التجدّد في كل لحظة بنا أو بغيرنا، بمصادقتنا أو على الرغم منّا. صحيح قيم الحداثة هي العقل والتقدّم والتنوير التي ميّزت بشكل بارز الأنوار كعصر تاريخي وكعصارة فكرية، وتعدّت الفضاء الأوروبي نحو مجتمعات أخرى أحدثت فيها بعض الانقلابات أو التغييرات الجذرية أو السطحية كما هو الحال مع المجتمعات التقليدية. لكن ينبغي التركيز الآن على أنّ الحداثة مبنية على نظام «الزمان» (التاريخ، التطوّر، التقدّم ) بينما ما بعد الحداثة مبنية على نظام «المكان» (المدينة، السرعة، التجاور). وبما أنّه لا يمكن فصل الزمان عن المكان، فلا يمكن الفصل، واقعياً، بين الحداثة وما بعد الحداثة. يمكن مثلاً الوقوف على الزمان الحضاري في المكان المابعد الحداثي كما تعبّر عنه هندسة المتحف العصرية الجامعة لأشياء قديمة. ولا شكّ أنّ القيم المابعد الحداثية التي تميّز المدن العالمية الكبرى، لا تنفك عنها أيضاً مدننا في ما يخصّ الإعلان والإشهار والسرعة والأمكنة العمومية واستعمال التكنولوجيات الحديثة والافتراضية. المشكل الممكن علاجه في هذا الشأن وفي ما يخص العلاقة بالحداثة أو ما بعد الحداثة، هو مشكل البنيات العقلية المناهضة للجديد أو القابلة له. وبنياتنا العقلية في نطاقنا العربي الإسلامي هي قائمة على الانتقاء وليس المشاركة، أي أننا نختار ما يناسب وعينا بالأشياء وحسب تركيبتنا التاريخية والرمزية مثل الإقدام على استعمال التكنولوجيات الحديثة من حواسيب وهواتف جوّالة والأنترنيت، وعدم الأخذ بالأساليب الديمقراطية وأشكال الحكم السياسي الأكثر مرونة والأقلّ قمعاً أو تشدّداً. تلك هي إذن المشكلة: هي قدرتنا أو عدم قدرتنا على صناعة الحداثة، لأنّ الحداثة ليست جاهزة وتختلف حسب الأمزجة والقوابل، بل يمكن استيعابها وأقلمتها إذا أردنا فعلاً المشاركة وليس البقاء على الهامش في وضعية المتفرّج أو المستهلك أو المنفعل. ولعل من أبرز أجه ما بعد الحداثة هو التكنولوجيات الجديدة في الإتصال واستعمالنا للعالم السبراني (الشبكة). فلا يمكن هجران هذه التكنولوجيات بحجة أننا لم نصنع حداثتنا، وترانا كل يوم نستعمل الأنترنيت والهاتف الجوال ووسائل معاصرة في الإتصال والتواصل. إن العصر الذي نحياه قد نقض المسافة بين الأمكنة والأزمنة، وبالتالي لا يمكن تشكيل الحداثة بدون صنوها المصاحب لها وهو ما بعد الحداثة. بل، بالعكس، تتقاطع الحداثة وما بعد الحداثة من خلال مقاربة التقدم والحرية والعقل والتنوير بأساليب ما بعد حداثية. وهل كان بالإمكان للشعبين التونسي والمصري، مثلاً، أن يصنعا حريتهما وعقلهما السياسي وتنويرهما الفردي والجماعي دون اللجوء إلى الشبكات الإجتماعية على الأنترنيت مثل فيسبوك وتويتر؟
سيدي المحترم باعتبارك من الباحثين المغاربيين ما هو رأيك في العلاقة الثقافية بين المشرق والمغرب؟
هناك إنتاج فكري مشهود في الفضاء المغاربي بدأ فعلياً في المغرب مع جهود الراحل محمد عابد الجابري وعبد الله العروي وطه عبد الرحمن وطلبتهم الذين هم من المفكّرين البارعين أمثال سالم يفوت وعبد السلام بنبعد العالي وكمال عبد اللطيف وفريد الزاهي وغيرهم، ثمّ توسّع الاهتمام الفكري والفلسفي والاجتماعي والنقدي في تونس مع أبي يعرب المرزوقي وفتحي المسكيني وفتحي التريكي، وفي الجزائر مع عمر مهيبل والزواوي بغورة وعمارة الناصر وأحمد دلباني وعبد الرزاق بلعقروز ومحمد جديدي وعبد الغني بارة وعبد القادر بودومة من الباحثين الشباب الناشطين تدريساً وتدويناً. لقد تعوّدنا على التشاؤم والحديث عن الفكر العربي المعاصر بمنطق الأزمة والتعثّر، بينما ما ينتجه هذا الفكر هو في غاية الكثافة التقنية والمضامين النظرية، يشبه إلى حدّ كبير الأنوار الفرنسية السابقة على الثورة الفرنسية. إذ في نطاق مئة سنة قامت الأنوار الفرنسية بالتغيير على مستوى النظرية مع مشروع الأنسيكلوبيديا عند ديدرو ودالمبير، ومع فولتير وجان جاك روسو ومونتيسكيو، والتغيير في الواقع لم يأت سوى بالثورة الفرنسية التي أسّست لسياسة فكرية وعملية مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن. ما نحياه على الصعيد العربي يشبه إلى حد بعيد وتبعاً لسياق مختلف إلى مع وقع في الأنوار الفرنسية. إذ قامت الأنوار العربية لمدة أكثر من مئة سنة بالتغيير على مستوى النظرية من محمد عبده إلى علي حرب مروراً بالكواكبي ومحمد إقبال وأنطوان سعادة وشبلي شميّل وطه حسين والجابري وحسن حنفي وأركون ونصر حامد أبو زيد وبرهان غليون. لكن التغيير على المستوى العملي ظل متعثّراً من جراء التصلّب على المستوى السياسي والتنظيمي، والذي بدأ في التصدّع من جرّاء الثورات العربية.
ولقد أظهر التغيير على مستوى النظرية العلاقة المركّبة والمثمرة بين المشرق والمغرب، لكن بحساسيات مختلفة. إذ نجد في نمط الكتابة المغاربية نزوع نحو التمييز المعرفي الابستمولوجي لعاملين أحدهما داخلي وتاريخي وهو الإرث الرشدي، والآخر خارجي وجغرافي وهو الوزن الفكري الفرنسي من خلال نماذج باشلار وفوكو ودولوز ودريدا التي اغترف منها فكرنا المغاربي. بينما نجد في نمط الكتابة المشرقية نزوع نحو السؤال السياسي والجمالي ويرتبط لظروف تاريخية بالحضور البريطاني في المشرق، والعلاقة المكثفة باللغة الإنجليزية ونمط التفكير البراغماتي والواقعي. لا شكّ أن هذا التقسيم هو مجرّد تصنيف نمطي لأنّ في ما وراء الإرث التاريخي والعلاقة بالآخر، للفكر العربي في المشرق والمغرب اهتمام مشترك ينصبّ على الوضع السياسي والثقافي، وعلى قراءة التراث النظري عبر النصوص والآثار. فهناك إرادة في قراءة الماضي لمحاولة إيجاد حلول للحاضر، حتى وإن لم ترتق هذه القراءة بعد إلى التنظير الفلسفي، أي بتأسيس نظرية فلسفية تخص فكرنا التاريخي والثقافي، ربما لنقص أدوات الصناعة النظرية، ولعدم قدرة اللغة العربية الخروج من مأزقها التاريخي الذي نقل بها من الإنتاج الفلسفي إلى الاجترار الفقهي. هناك بلا شك محاولات تنظيرية مع الجابري وأركون وطه عبد الرحمن في ما أسميه «معقولية اللغة في صناعة الواقعة الفلسفية»، لكن لم ترتق هذه المحاولات إلى نظرية إذا عنينا بالنظرية نظام من الفكر يتمتع بأدوات مفهومية تساير رؤية فلسفية أو اجتماعية أو سياسية. لكن هذه الصناعة هي آيلة في التشكّل يفرضه علينا منطق الحدث العربي بمفاجآته وتفكيكاته وتركيباته. لا بدّ أن يؤول هذا الحدث إلى صناعة نظرية وترتبط هذه "اللابدية" بالتغيّر في المشهد العربي بأساليب جديدة، وتعرّض الصفائح الفكرية والسياسية إلى اهتزازات "تكتونية" بالمعنى الذي أشرت إليه في «الإزاحة والاحتمال».
Compte rendu de ma traduction du livre de Hans-Georg Gadamer, fait par Maher Charaf Al-Din et publié dans la revue Qantara (Berlin-Allemagne) et dans le quotidien libanais Annahar.
فلسـفـة التَّـأويـل
هيرمينوطيقا لغوية
العام 1900، الذي شهد وفاةَ فريدريش نيتشه، شهد ولادةَ أشهر فلاسفة الهيرمينوطيقا في العصور الحديثة: هانس غيورغ غادامير. وفي كتاب فلسفة التأويل، الصادر لدى مؤسسات ثلاث، نقع على مختارات باهرة من الدراسات التي قدَّمها غادامير كمدخل إلى الفكر التأويلي.
لعقود طويلة، ظلت فلسفة غادامير التأويلية محلَّ قراءات مختلفة وتأويلات متضاربة في خصوص تصوُّره للُّغة: غالبًا ما نُعِتَتْ "تأويلية" غادامير بأنها هيرمينوطيقا لغوية،
من حيث إنها تعطي الأولوية والصدارة لعامل اللغة كبُعد كونيٍّ وشامل يشترط الأبعاد الأونطولوجية والأنثروپولوجية كلَّها للكائن: "الوجود الجدير بالفهم هو اللغة." لقد جاء جواب غادامير
حاسمًا:
عندما كتبتُ أن الوجود الممكن فهمه وإدراكه هو اللغة، ينبغي أن نفهم من هذا التصريح أن الوجود (ما هو كائن) لا يمكن فهمه في صورته الكلِّية والشاملة، بحيث إن كلَّ ما تحمله اللغة يحيل دومًا على ما وراء (أو فوق) العبارة نفسها.
فالصحيح أن ما عبر عنه الفيلسوف لا يكتفي بنقل إرادة التعبير وبتثبيتها بالكتابة، بل يسعى إلى الاتفاق حول – أو الانسجام مع – الشيء عِبْر التواصل والحوار.
تتوزع كلمة "هيرمينوطيقا" hermeneutics (فن التأويل)، كما هي الحال مع الكلمة المشتقة عن الإغريقية hermeneuein، التي تمفصلتْ مع لغتنا العلمية، في المستويات المختلفة للتفكير. وتدلُّ هذه الكلمة على ممارسة فكرية دليلها الآلية أو الفن. وهو ما يستحضره تشكيلُ اللفظ الذي يدلُّ على "التقنية". يتخذ "الفن" هاهنا دلالةَ الإعلان والتراث والتفسير والتأويل، مثلما يشتمل على فن الفهم كأساس له ودعامة.
ويعتقد غادامير أن مشكل الهيرمينوطيقا لا ينحصر في المشكل المنهجي للعلوم الإنسانية، ولا ينجم عن المناقشات الحالية حول الطرق والأساليب العلمية في التفكير والتفلسف، بل هو مشكل إنساني ينصبُّ حول قدرات الوجود الإنساني. فالاختلاف الذي نقيمه بين العلوم الإنسانية وعلوم الطبيعة غير مُرْضٍ من الجانبين: لا يرضي علماءَ اليوم حَصْرُ هذه العلوم في حلِّ المشكلات (المعرفية) بواسطة قانون النسبوية relativism؛ إذ يؤكد هؤلاء العلماء أن مشكلة اللغة، أو المشكل الألسُني، في الحقول الأساسية للنظرية الحديثة، هو أيضًا مشكل ذو أهمية فائقة، ويشغل مكانةً رئيسية في المناقشات الفكرية المعاصرة.
غادامير، الذي تأثرتْ تأويليَّته بالمنهج الديكارتي في بُعدها الإپستمولوجي، استقلَّ المنحى الأونطولوجي والفني والفلسفي لديه عن صرامة المنهج، عِبْر إدراجه للتصورات المسبقة التي كانت محلَّ شكوك وتحفُّظات في المنهج الديكارتي، الذي أسَّس لفكرة العالم في العصور الحديثة، المبنية على البداهة واليقين. ولأن الشك الديكارتي يستسلم، في نهاية المطاف، لوضاحة المنهج وبداهة الفكرة، قام غادامير بتجنيد الشكِّ النيتشوي الراديكالي. وبدلاً من الاستناد إلى بداهة الوعي المفكِّر نفسه، يستند غادامير إلى فكرة أستاذه هيدغِّر حول التناهي الإنساني، التي تظلُّ فكرةً محوريةً وجوهرية في تأويليته.
تأثير هُسِّرل وهيدغِّر، الذي وجد في فلسفة غادامير المفاتيح الأساسية في بناء فلسفته التأويلية، كان واضحًا في مساره الفكري، حين درس على يديهما الفلسفة في فرايبُرغ، في وقت لم يكن يرى حوله سوى الحضور القوي للكانطية الجديدة والوضعية positivism في المجال العلمي. وقد أقامت ترجمتُه لأفلاطون الدليلَ القاطع على نفوره من "الموضة الجامعية" في عصره.
الفهم الذاتي الذي تمارسه العلوم الإنسانية، في مقابل النموذج العلمي البحت الذي تتمتَّع به العلوم الدقيقة والطبيعية، بقي المشكل الرئيسي الذي شغل غادامير، الوفي للمنحى الأونطولوجي الذي رسمه هيدغِّر، والمتمثل خصوصًا في مسألة اللغة، والتناهي الذاتي الذي تكشف عنه التجربة التاريخية وهيرمينوطيقا الفهم – فهم الذات على وجه الخصوص؛ وهو ما سمَّاه هيدغِّر "المنعطف الأونطولوجي الحاسم" في تجربة الفهم الذاتي. وهذا ينمُّ عن المشكل الذي طرحتْه العلوم الإنسانية، في أواخر القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين، كما عالجها وقدَّمها، من وجهة نظر تاريخية وإپستمولوجية، فيلهِلم دلتاي.
لتوضيح معنى التأويل التاريخي، انطلق غادامير من الإخفاق الذي مُنِيَتْ به النزعةُ التاريخية، أو التاريخانية، كما هي الحال لدى دلتاي، منبِّهًا إلى الأبعاد الأونطولوجية الجديدة عند هُسِّرل وهيدغِّر:
لا يمكن للمعرفة التاريخية أن توصف بنموذج المعرفة الوضعانية، لأنها في حدِّ ذاتها عبارة عن تطوُّر يتمتع بخاصيات الحدث التاريخي كلِّها.
في تأخُّر هائل، محتشم، على ما يقول مترجم الكتاب محمد شوقي الزين في مقدمته، نكتشف هذا البحر التأويلي الكبير، الذي أثمر، ولا يزال، مؤلَّفاتٍ وأعلامًا في التأويل المعاصر، أمثال الإيطالي فاتيمو والأمريكي دورتي والفرنسي ريكور.
*** *** ***
"فلسفة التأويل"، الترجمة والتقديم محمد شوقي الزين، صدر لدى المركز الثقافي العربي والدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف 2006
Compte rendu de mon livre "Déplacements intellectuels", fait par l'écrivain Kheir Chouar.
من أجل تجاوز الأسئلة المحنّطة
الخير شوار
“الإزاحة” كما عرفها صاحب هذا الكتاب هي ”العملية الفكرية التي تلي ”الاختراق” وتسبق ”المجاوزة””، والكتاب هو ثالث إصدارات الباحث الجزائري محمد شوقي الزين بعد ”هويات وغيريات” عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء وبيروت بالعربية، و”هويات وغيريات” عن الاختلاف بالجزائر باللغة الفرنسية، والكتاب عبارة عن مقالات متفرقة يربطها رابط واحد هو عملية الإزاحة التي قام بها الباحث في الخطاب الحداثي والثقافي عندنا.
وسيرا على ما درج عليه مؤلفو الكتب الثقافية والفكرية فقد جاء عنوان الكتاب على مستوين الأول ”إزاحات فكرية” وهو العنوان الكبير البارز الذي يعرف به الكتاب وعنوان صغير يوضح الإشكالية بدقة هو ”مقاربات في الحداثة والفكر”، وعودا على كلمة الإزاحة فإن الكتاب من خلال هذه المقالات التي صدر بعضها في الصحف الوطنية الجزائرية، هو محاولة لاختراق الخطاب الثقافي الراهن، من أجل فهمه بدقة ومن ثم يتسنى لنا المجاوزة إن أمكن ذلك والتجاوز كما نعلم لا يكون إلا بالفهم والإحاطة بالشيء وملابساته، فعلى مدى صفحات الكتاب حاول الباحث اختراق ثقافة التلقين من أجل مجاوزتها وما التلقين مثلما جاء في الكتاب إلا النقل بطريقة أخرى والنقل كما نعلم هو نقيض العقل وإذا سيطر النقل حل محل العقل وسادت السلطة الأبوية البتريركية بتعبير المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي، وانطلاقا من النقل يؤكد الباحث أنه ”في البدء كان التلقين”، وعليه اقتضى الحال أن يكون مع هذا الكتاب ”في البدء كان الاختراق” للعملية التي تسبق الإزاحة ولا تتم إلا بها، ففي البدء أعلنت النية في الاختراق.. اختراق الأنماط السائدة في الثقافة والفكر التي لا يمكن أن تتم مجتمعة، وقد قسمت إلى محاور، يجمعها هذا السفر الصغير نسبيا•والقيمة الحقيقية لهذه المقالات- التأملات تكمن في أنها جاءت في سياق نقاش تم في بعض المنابر الإعلامية ولم يشارك فيه الباحث محمد شوقي الزين وحده باتجاه واحد وإنما تم بين عدد من الكتَاب والباحثين، ومع النقاش تتضح الأفكار أكثر وتتلاحق وتتجلى الرؤية واضحة قدر الإمكان، وقد فعل خيرا الكاتب (والناشر) عندما ضمن هذا الكتاب بعض المقالات التي ناقشت أفكار الكاتب وتفاعل معها حينها في المنابر الإعلامية، حتى تتقيد تلك اللحظة، لتكون بوابة لأي نشاط لاحق، والصحف اليومية كما نعلم تهتم باللحظة الآنية ومن الصعب أن تحافظ القضايا المطروحة للنقاش فيها إذا لم يحتويها كتاب ويصبها في لحظته الخاصة التي هي أدوم حالا مثلما هو حال الكتب على مر التاريخ. وعودا على العنوان الثاني- التوضيحي الذي أكد فيه الباحث أن كتابه هو ”مقاربات في الحداثة والمثقف” فقد انقسم الكتاب إلى جزئية -محورين رئيسيين، الأول يتعلق بـ ”سؤال الحداثة” والثاني بـ ”سؤال المثقف”، وتحت هذين العنوانين الكبيرين، جاءت القضايا المطروحة التي وضعها الباحث نصب عينيه محاولا اختراقها من الداخل وتفجير السؤال فيها آملا أن يزيحها من حقل التلقين والنقل الموسوم بالعقم وبالبطريركية والتخلف وكل النعوت القبيحة التي تعيدنا إلى ثقافة متخلفة، منحطة، محنطة، فارغة، مسيجة بالقداسة والرهبة، إلى نمط آخر من الثقافة غير ذلك تماما موسوم بالعقل والنقد وكل المترادفات والنتائج التي لها علاقة بهذا المنطلق. ولئن كانت القضايا المطروحة في الشق الأول من الكتاب غير متواترة كثيرا في خطابنا الثقافي بشيء من التجاوز فإن القضايا التي جاءت في الشق الثاني، كثيرا ما تناولتها الأقلام وعقدت بشأنها الندوات والمؤتمرات وملئت بها المنابر الثقافية المكتوبة والمرئية والمسموعة، (المثقف والعولمة، نهاية المثقف مثقف النقد ناقدا لذاته، المثقف الجزائري: تغييب أم غياب، نضالات المثقف.. وغيرها من الأسئلة التي ظلت مطروحة في الخطاب الثقافي عندنا، فالقضايا من شدة تكرار النقاش بشأنها، أصبح من الصعب اختراقها رغم تواترها، اللهم إلا إذا أراد الباحث أن يؤكد على أن التكرار في طرح الشيء يرسخ عمق المشكلة وخطورتها، وفي النهاية ما الفائدة من تجاوز الأسئلة إلى غيرها من الأسئلة التي تليها طالما أن الأولى ظلت معلقة بدون إجابة.
لقد جاءت تلك المقالات مليئة بـ ”حرقة الأسئلة” كما جاء في أحد عناوين الشاعر عبد اللطيف اللعبي، وحافظت تلك الأسئلة التي انطلق بعضها من قضايا راهنية محددة على حرارتها، وهو المهم في مثل هذه الكتابات، والكتاب في النهاية بعد صدوره في هذه الطبعة الجميلة يحتاج إلى مزيد من القراءة المتخصصة، المتأملة من أجل أن تخترق الأسئلة التي تناولها من جديد برؤى مختلفة، والاختراق كما أخبرنا الباحث الجزائري المغترب محمد شوقي الزين صاحب الكتاب هذا، عملية تسبق الإزاحة الضرورية في أي بناء فكري ثقافي يروم تجاوز الأسئلة المحنطة والأفكار البالية، وإلا بقينا ندور في الفراغ تماما مثل الأصفار التي تدور حول نفسها كما قال الشاعر الجزائري الراحل مالك حداد.
Jacques Derrida
et la naissance du Forum arabe de la déconstruction
Du 10 au 13 août 2009, le philosophe français de renommée internationale Jacques Derrida (1930-2004) a été honoré au Bahrein (Ministère de la Culture), à l'occasion
du 5e anniversaire de sa disparition. Un livre en arabe, collectif et commémoratif, a été édité pour l'occasion. Des poèmes ont été lus et des films projetés, dont celui de l'écrivaine égyptienne
Safaa Fathy. L'auteur de ce blog, Mohammed Chaouki Zine, a procédé à la création du "Forum arabe de la déconstruction", dans le but d'échanger des idées et des réflexions entre les auteurs
d'expression arabe.
Par : Luce Giard
Naissance de Michel, Jean, Emmanuel de la Barge de Certeau le 17 mai 1925 à Chambéry (Savoie), aîné des quatre enfants de Hubert, Eugène
de la Barge de Certeau et de son épouse Pauline, Louise, Ursule, Marie, Antoinette de Tardy de Montravel. Il passe son enfance et son adolescence entre cette ville et la maison familiale, une
ancienne chartreuse du XVe siècle, toute proche, au sud des Bauges, sauf une année scolaire au collège mariste de la Seyne-sur-Mer, pour se rétablir d’une double typhoïde suivie d’une ostéite.
Désormais la mer le fascinera et les deux auteurs qui le marqueront, Montesquieu vers 1940, Surin pour l’histoire de la mystique, seront tous deux de Bordeaux, hommes du rivage océanique,
tourné vers l’Amérique. Il parlera souvent des années de guerre, de l’enfermement imposé dans un lieu géographique et social, des maquisards auxquels il s’était lié, courant la montagne pour
porter des messages, et plus encore de la rupture qu’avait symbolisée pour lui la défaite de juin 1940 : c’était, définitive, la " défection " du discours patriotique et moral des adultes, avec
l’impossibilité de les croire et d’en attendre une direction de vie.
Après son baccalauréat (latin, grec, allemand en série A, puis philosophie), il suit une double formation, sans parvenir à se satisfaire d’un lieu, d’un milieu, d’une filière, dans la recherche
inquiète d’une voie. A l’Université (Grenoble, Lyon, Paris), il obtient deux licences (lettres classiques avec une préférence pour le grec, philosophie), le diplôme de l’Ecole Pratique des
Hautes Etudes (Ve section, sous la direction de Jean Orcibal), un doctorant en science des religions (Sorbonne, 1960) sur " le Mémorial de Pierre Favre ". Dans l’institution ecclésiale, il
fréquente le Séminaire d’Issy-les-Moulineaux aux portes de Paris (1944-1945, et 1946-1947), mais ce milieu sulpicien lui convient mal. Il rejoint le Séminaire universitaire de Lyon (1947-1950)
qu’il juge plus stimulant, et sera toujours attaché à la ville de Lyon, secrète, multiple, vivante. Il ajoute à son baccalauréat de philosophie scolastique une licence en théologie, consacre
beaucoup d’énergie à l’histoire des textes de la tradition (hébreu biblique, grec néo-testamentaire). Dès son premier séjour à Paris, il a pris l’habitude de suivre de nombreux cours : il
fréquentera ainsi l’helléniste Paul Mazon et, au Collège de France, Jean Baruzi vers la finde sa vie, seul, parlant comme si de rien n’était devant une salle déserte, Louis Massignon, etc.
En novembre 1950, il entre dans la Compagnie de Jésus, attiré par le bouillonnement de vie au scolasticat de Fourvière, l’ouverture internationale de l’ordre et la haute silhouette de Henri de
Lubac qui enseignait alors aux aux Facultés catholiques de Lyon. Il suit le cursus classique : noviciat et juvénat à Laval (Mayenne) (1950-1953), " un temps d’austérité " non matérielle mais
intellectuelle, car la liberté de lire et travailler lui est chichement mesurée ; un an de philosophie au scolasticat de Chantilly (Oise), consacré à étudier Hegel dans le texte avec Joseph
Gauvin, " une expérience forte " dont il gardera toujours gratitude à ce guide et à la Compagnie ; un an d’enseignement de la philosophie dans un collège jésuite à Vannes (Morbihan) pour
remplacer au pied levé à la Toussaint un professeur malade ; enfin une dernière année de théologie au scolasticat de Fourvière (Lyon). Il est ordonné à Lyon le 31 juillet 1956.
Il avait commencé dès 1950 à préparer une thèse de patristique sur Saint Augustin, comme lieu de transit entre la pensée grecque et la théologie latine, mais la Compagnie lui demande alors de
faire des recherches sur l’histoire spirituelle de ses commencements en France. Pendant les années suivantes, il résidera tantôt à Paris, tantôt à Chantilly, s’enfonçant avec ivresse dans le
merveilleux fonds ancien de la bibliothèque, complétant sa formation d’historien dans plusieurs séminaires de recherche (avec Alphonse Dupront, Roland Mousnier, Jean Orcibal, etc.). Selon
l’usage de la Compagnie, il s’interrompt pour faire un " troisème an " de noviciat dans la résidence de Saint-Martin-d’Albois (Marne) en 1959-1960, puis passe une année, assez dure pour lui, à
donner les Exercices à la résidence Manrèse de Clamart (Hauts-de-Seine). Son doctorat sur Pierre Favre achevé en 1960, il entame son travail sur Jean-Joseph Surin auquel il restera désormais
attaché. L’étrange destin de Surin l’incite à traverser, pour le comprendre, un pluriel de sciences humaines et sociales. Il s’intéresse en particulier à la psychanalyse, domaine où Louis
Beirnaert lui sert probablement d’introducteur. Il commence une analyse, entre en relation avec Jacques Lacan (auquel il marquera toujours un grand respect intellectuel) et fait partie de son
Ecole freudienne tant qu’elle existe (1964-1980).
Devenu profès de la Compagnie après ses " grand voeux " (Paris, février 1963), il se voit confier par elle des tâches et des responsabilités dans son réseau de revues. En 1963-1967, avec
François Roustang, il dirige la revue " Christus " (trimestriel consacré à la spiritualié surtout ignatienne) et, aux éditions Desclée De Brouwer, la collection de livres qui lui est associée -
lui-même y publiera plusieurs titres. A partir de 1967, il rejoint la rédaction des " Etudes " (mensuel de culture générale). Il fait aussi partie du conseil de rédaction de la " Revue
d’histoire de la spiritualité " (nouvelle identité de la célèbre Revue d’ascétique et de mystique) et des " Recherches de science religieuse " , plus tournées vers le théologique. Dans chacune
de ces revues, il publiera de nombreux articles et recensions, tout en menant de pair ses recherches érudites sur Surin. De ce dernier, il édite d’abord le " Guide spirituel " (1963), puis une
massive " Correspondance " (1966), une somme d’érudition courronée par l’Institut et par la Ville de Bordeaux.
En août 1967, un grave accident de voiture, survenu en Savoie, semble compromettre l’avenir : son père, qui conduisait, est indemne, sa mère meurt sur le coup, lui-même est grièvement blessé,
notamment à la face, il perd la vision de l’oeil droit. Le premier choc passé, il s’efforce de reprendre le plus tôt possible la tâche. A la recherche en histoire, au travail de rédaction pour
les " Etudes " surtout (que dirige Bruno Ribes), s’est ajouté l’enseignement : un séminaire de doctorat en théologie à l’Institut catholique de Paris (1964-1978) ; après mai 1968 et son
association aux projets de réforme universitaire, des cours à l’université expérimentale de Paris VIII (Vincennes), d’abord en psychanalyse, puis en histoire (1968-1971) ; ensuite à paris VII
(Jussieu), des cours encore et un séminaire de 3è cycle en anthropologie culturelle (1971-1978).
Cependant la période des voyages en Amérique, toujours en relation avec des occasions de travail (conférences, enseignement, recherche), commence dès 1966 avec la découverte émerveillée du
Brésil auquel il s’attachera, y faisant des séjours réguliers, puis l’Argentine, le Chili (avant la chute d’Allende), les Etats-Unis (à partir de 1969, tantôt à l’Est, tantôt à l’Ouest), le
Canada et le Mexique dernier venu. Il circule tout autant en Europe : en Espagne, en particulier (par hasard de calendrier) au moment de l’agonie interminable de Franco, en Angleterre avec un
trismestre comme Fellow à Cambridge (1975), en Belgique (où l’attire souvent le réseau de Marie Beaumont et Georges Thill, entre autres amitiés fortes), en Suisse comme Professeur associé à
l’université de Genève (1977-1978), en Italie aux colloques et séminaires d’été d’Urbino (Centre de linguistique et sémiotique, à partir de 1969), etc. Dans ce tourbillon d’activités, il trouve
encore le temps de créer et diriger une collection pour ouvrir la théologie aux méthodes des sciences humaines ; ce sera la " Bibliothèque des sciences religieuses ", produite en coédition
entre quatre partenaires (Aubier, Cerf, Delachaux et Niestlé, Desclée De Brouwer), une utopie généreuse difficile à coordonner dans la pratique. De 1971 à 1977, il y publiera sept ouvrages de
qualité, suscitant des projets originaux (par exemple avec Louis Marin ou Georges Thill), refusant la solution facile de se centrer sur la traduction de titres étrangers.
Dès 1972, il choisit de ne plus collaborer de manière intensive à la rédaction des " Etudes ", pour suivre une nouvelle ligne de recherche sur la culture contemporaine. Il est alors le
rapporteur principal du colloque européen d’Arc-et-Senans sur la " prospective du développement culturel " (avril 1972), fait partie du Conseil du développement culturel mis en palce par
Georges Pompidou, où il rencontre Roger Caillois, Paul Delouvrier, Jack Lang, et se lie d’amitié avec Françoise Choay : déçu par une conception qui ne s’intéresse plus " à faire de l’expression
culturelle le moyen d’une communication et d’une créativité sociales ", et s’efforce de " ramener la culture vers la conservation d’un patrimoine ", il en démissionne en juin 1973. Il continue
à réfléchir sur ces questions clés pour l’avenir d’une société, est à cetire directeur de recherche auprès du Ministère de la Culture en 1973-1974 (où il collabore avec Augustin Girard et
Geneviève Gentil), puis devient responsable d’un contrat de recherche sur les " pratiques culturelles contemporaines " pour la DGRST en 1974-1977 (avec, comme collaborateurs directs, Pierre
Mayol, Marie Ferrier et moi-même, plus une nébuleuse d’interlocuteurs où je me souviens de Patrick Mignon, d’Olivier Mongin, parmi tant d’autres visages).
Il en sortira d’abord " La culture au pluriel " (1974), puis, en relation avec le " laboratoire d’expérimentation et de discussion " que constitue alors son séminaire de 3è cycle à Paris VII,
les deux tomes de " L’invention du quotidien " (1980). De ces années datent ses liens avec le Centre Georges Pompidou dont il aimera tout de suite la mobilité utopique et vivante. Comme il le
notera plus tard, " Qui aime laville aime Beaubourg " (dans un rapport sur le Centre, écrit en 1983-1984 à la demande de Jean Meheu et publié in " Esprit ", février 1987, pour saluer le 10e
anniversaire). D’ailleurs, dès sa fondation en 1974, il est membre du comité de rédaction de " Traverses " où il écrira régulièrement, malgré son éloignement géographique.
car déjà il s’était tourné vers un autre horizon. De 1978 à 1984, il est surtout aux Etats-Unis, comme Professeur titulaire à l’Université de Californie (San Diego). Il en revient en juillet
1984, tout à la joie d’avoir été élu à l’Ecole des hautes Etudes en Sciences Sociales et de rejoindre un " lieu naturel " de son travail d’historien, un carrefour d’amitiés et d’interlocuteurs.
Il doit y assurer une direction d’études concernant " l’anthropologie historique des croyances (XVIe-XVIIIe siècles) ". Il fourmille de projets, veut terminer d’abord le tome 2 de " La fable
mystique ", rédiger une anthropologie du croire ( à laquelle il a beaucoup travaillé en Californie), reprendre le dossier, autrefois ouvert avec Jean de Léry dans " L’Ecriture de l’histoire "
(1975), des récits de voyage en Amérique, à partir de deux séries, l’une vers le Brésil, l’autre vers la Nouvelle-France.
Mais il aura à peine plus d’un ans pour enseigner à Paris. Imprévisibl, la maladie se dévoile en juillet 1985, impose très vite une grave opération, un long été à l’hôpital. Il sait aussitôt à
quoi s’en tenir, choisit de n’en rien dire et de se battre en silence avec la complicité des plus proches. Il entame une course désespérée contre le temps, s’acharne à reprendre son travail en
octobre, à recommencer son séminaire à la date prévue, à achever le second tome de " La fable mystique ". Il enseigne jusqu’à la fin décembre, y consacre ses dernières forces. Il meurt chez lui
au soir du 9 janvier 1986, avec une élégance, une fortitude venues d'u’ autre siècle : c’est lui qui réconforte les visiteurs qu’il demande à voir dans les derniers jours, c’est lui qui leur
parle d’avenir. Il explique en souriant que les vieux traités sur " l’art de mourir " étaient de bonne lecture, que Surin dans " La science expérimentale " lui avait enseigné l’essentiel sur la
vérité du " sentiment intérieur ".
Selon ses souhaits, duranr la messe du dernier adieu (église Saint-Ignace, 13 janvier), on entendra les versets de Paul sur " la folie du Christ " (1Co1, 26-19), un fragment d’un " Cantique
spirituel " de Surin, et aussi Edith Piaf chantant " Je ne regrette rien ", dernier signe d’amitié, dernier sourire complice. Il repose au cimetière de Vaugirard (Paris XVè), dans un caveau de
la Compagnie de Jésus, tout près de Louis Beirnaert et de Henri Lavalette, qui l’y avaient précédé de quelques mois. Nombreux furent les articles de presse à saluer le voyageur parti pour un "
autre pays ". La guirlande des titres dessine à petites touvhes un portrait qui sonne juste " Pèlerin des frontières " (Paul Valadier, Le Monde), " migrateur " (Michel Crépu, Panorama), "
Savoyard universel " (Jean Bianchi, La Vie nouvelle, Chambéry), " mystique qui s’ignorait " (Gwendoline Jarczyk, La Croix) et, pour introduire une merveilleuse double page de Libération, cette
formule : " le chrétien éclairant ", avec, en sur-titre et petits caractères, ce simple mot qui lui serait allé droit au coeur " compagnon ".
Dans la foule anonyme, un passant disparu ; dans le concert des voix, un silence ; comme il aimait à dire, d’une expression venue des mystiques, " une goutte d’eau dans la mer ".
Bibilographie :
(1) Bieneureux Pierre Favre, " Mémorial ", traduit et commenté par Michel de Certeau, Paris, Desclée De Brouwer, coll.Christus, 1960, 453p.
(2) Jean-Joseph Surin, " Guide spirituel pour la perfection ", texte établi et présenté par Michel de Certeau, Paris, Desclée De Brouwer, coll. Christus, 1963, 330p.
(3) Pierre Teilhard de Chardin, " Lettres à Léontine Zanta ", intraod. par Robert Garric et Henri de Lubac, éd. par Michel de certeau, Paris, desclée De Brouwer, 1965, 142p.
(4) Jean-Joseph Surin, " Correspondance ", texte établi, présenté et annoté par Michel de Certeau, préface de Julien Green, Paris, Desclée De Brouwer, Bibliothèque européenne, 1966, 1827 p.
(5) " La solitude, une vérité oubliée de la communication " (avec François Roustang et al.), Paris, Descelée De Brouwer, coll. Christus, 1967, 256p.
(6) " La prise de parole. Pour une nouvelle culture ", Paris, Descelée De Brouwer, coll. Foi vivante, 1969, 261p.
(7) " La possession de Loudun " (1970), 2è éd., Paris, Gallimard-Julliard, coll. Archives, 1980, 343p.
(8) " L’absent de l’histoire ", s.l., Mame, coll. Repères, 1973, 185p.
(9) " La culture au pluriel " (1974), 2è éd., Paris, Christian Bourgois, 1980, 256p.
(10) " Le christianisme éclaté " (avec Jean-Marie Domenach), Paris, Seuil, 1974, 119p.
(11) " L’Ecriture de l’histoire " (1975), 3è éd., Paris, Gallimard, Bibliothèque des histoires, 1984, 358p.
(12) " Une politique de la langue. La Révolution française et les patois : l’enquête de Grégoire " (avce Dominique Julia et Jacques Revel), Paris, Gallimard, Bibliothèque des histoires, 1975,
317p.
(13) " L’invention du quotidien ", tome 1 : Arts de faire, Paris, UGE, coll. 10/18, 1980, 374p.
(14) " La fable mystique. XVIe-XVIIe siècle ", tome1 (1982), 2è éd., Paris, Gallimard, coll. Tel, 1987, 414p.
(15) " L’ordinaire de la communication " (avec Luce Giard) et al.), Paris, Dalloz, 1983, 167p.
(16) " Histoire et psychanalyse entre science et fiction ", présenté par Luce Giard, Paris, Gallimard, coll. Folio/essais, 1987, 214p.
(17) " La faiblesse de croire ", texte établi et présenté par Luce Giard, Paris, seuil, coll. Esprit, 1978, XIX-323p.